كتبت: نغم عايش
القاهرة- في مدينة العلمين المصرية، لا تبدو التحركات الفلسطينية الأخيرة مجرد لقاءات بروتوكولية، بل محاولة لإعادة ترتيب مشهد سياسي تتقاطع فيه المصالحة الداخلية مع الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة.
وعلى هامش هذه التحركات، تبحث حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إمكانية إنهاء الانقسام داخل صفوفها، بالتوازي مع جهود مصرية لإعادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى اجتماعات منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح قنوات اتصال مع مختلف القوى الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى صياغة موقف موحد بشأن مستقبل قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي العلمين، بحث حسين الشيخ، نائب رئيس دولة فلسطين، خلال لقاء مع رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، الاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة، وذلك بحضور وفد فلسطيني ضم ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وروحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني.
وتزامنت هذه التحركات مع لقاء جمع قيادة فتح والتيار الإصلاحي في الحركة، في محاولة لمعالجة ملفات ظلت عالقة لسنوات، أبرزها قضية المفصولين وقطع رواتب بعضهم وآليات عودتهم إلى صفوف الحركة.
لكن الطريق نحو المصالحة الفتحاوية لا يزال مرتبطا بقرار القيادة الفلسطينية، ولا سيما الرئيس محمود عباس، ومدى استعداده لاتخاذ إجراءات عملية تتجاوز التفاهمات السياسية العامة إلى قرارات تنهي الملفات العالقة.
توحيد فتح قبل الانتخابات..
ويقول المتحدث باسم حركة فتح في غزة منذر حايك إن التحركات الأخيرة تعكس، من وجهة نظره، رغبة في إصلاح الحركة وإعادة توحيد صفوفها، نافيا أن تكون الغاية منها قطع الطريق أمام تحركات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتشكيل ائتلاف انتخابي.
ويشير حايك إلى قرار المجلس الثوري لحركة فتح المتعلق بعودة المفصولين، لكنه يلفت إلى أن الخلاف لا يزال قائما بشأن آلية تنفيذ القرار.
ففي حين يرى التيار الإصلاحي أن العودة ينبغي أن تكون جماعية عبر إعادة دمج التيار في هياكل الحركة، تتمسك قيادة فتح، بحسب حايك، بآلية العودة الفردية، بحيث يتقدم كل شخص بطلب منفصل للنظر في وضعه.
ويقول للجزيرة نت إن هناك محاولات لحسم ملف المصالحة داخل فتح قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، معتبرا أن نجاح هذه الخطوة سيقود إلى تشكيل قائمة انتخابية موحدة تضم مختلف أبناء الحركة، بمن فيهم من سيعودون إلى صفوفها.
ولا يقتصر مسار المصالحة على فتح، إذ شملت لقاءات العلمين أيضا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تقاطع اجتماعات منظمة التحرير الفلسطينية.
ويصف حايك اللقاء بأنه كان إيجابيا، ويقول إن الجبهة أبدت تجاوبا مع الجهود الرامية إلى إنهاء مقاطعتها لاجتماعات المنظمة، في خطوة يمكن أن تعيد تحريك ملف إصلاح المؤسسات السياسية الفلسطينية.
التيار الإصلاحي: القرارات بيد عباس..
في المقابل، يضع التيار الإصلاحي شروطا واضحة لاعتبار المصالحة داخل فتح جدية وقابلة للتنفيذ.
ويقول مسؤول ملف العلاقات الوطنية في التيار الإصلاحي أسامة الفرا، الذي شارك في لقاء العلمين ضمن وفد ترأسه سمير المشهراوي، إن من يريد توحيد الحركة عليه أن يتجاوز الحسابات الشخصية، معتبرا أن ما جرى طرحه خلال اللقاء يتطلب قرارات مباشرة من الرئيس محمود عباس.
ويكشف الفرا أن وفد التيار قدم مجموعة من الإجراءات، في مقدمتها إنهاء ملف قطع الرواتب عن المفصولين، مشيرا إلى وجود أحكام قضائية صدرت لمصلحة عدد منهم، ويرى أن تنفيذها يمكن أن يشكل خطوة عملية أولى في اتجاه إنهاء الخلاف.
أما الخطوة الثانية فتتعلق بآلية العودة إلى الحركة، إذ يطالب التيار الإصلاحي، وفق الفرا، بقرار من اللجنة المركزية لحركة فتح يدمج التيار في هياكل الحركة وفقا للوائحها، بدلا من الاقتصار على عودة فردية لكل عضو.
ويضع الفرا مسؤولية حسم الملف بصورة مباشرة على عاتق الرئيس محمود عباس، قائلا إن توفر الإرادة السياسية يمكن أن ينهي واحدا من أبرز ملفات الانقسام داخل فتح.
ويضيف أن المشاركين في اللقاء اتفقوا على أهمية المصالحة الفتحاوية، بالنظر إلى الثقل السياسي الذي تمثله الحركة، وباعتبار توحيدها مدخلا يمكن أن يمهد لاحقا لوحدة فلسطينية أوسع.
لكن، رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت باللقاء، يقول الفرا إنه لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية، من وجهة نظره، على جدية عباس في تنفيذ الإجراءات المطلوبة.
لقاء مؤجل مع حماس..
وبالتوازي مع مسار المصالحة داخل فتح، كان من المقرر عقد لقاء بين وفد السلطة الفلسطينية وقيادة حركة حماس برعاية مصرية، قبل أن يُلغى الاجتماع من دون توضيح أسباب معلنة.
ويقول الفرا إنه فوجئ بإلغاء اللقاء، معتبرا أن انعقاده كان يمكن أن يشكل فرصة للتوافق على آليات التعامل مع المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية وقطاع غزة.
ويشير إلى أن الحوار بين التيار الإصلاحي وحماس بشأن تشكيل ائتلاف انتخابي لم يصل بعد إلى اتفاق نهائي، لكنه يؤكد وجود تقدم في الاتصالات، خصوصا مع القوى التي أبدت استعدادا للمشاركة، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.
ويؤكد الفرا أن فكرة الائتلاف، بحسب ما يطرحها التيار، ليست موجهة ضد فتح أو السلطة الفلسطينية، بل إنهما ما زالتا مدعوتين، وفق قوله، إلى قيادة هذا الائتلاف.
وتكشف هذه التحركات عن مسارين انتخابيين متوازيين داخل الساحة الفلسطينية.
الأول تقوده قيادة فتح، وتسعى من خلاله إلى استعادة وحدة الحركة واحتواء التيار الإصلاحي وإغلاق الملفات التي تراكمت خلال سنوات الانقسام الداخلي، بما يمنحها فرصة دخول الانتخابات بقائمة واحدة.
أما المسار الثاني فيتحرك عبر التيار الإصلاحي، الذي يبحث عن تحالف أوسع مع قوى فلسطينية أخرى، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، بما قد يعيد تشكيل الخريطة الانتخابية المقبلة.
الانتخابات أمام تحديات غزة..
ولا تنفصل هذه الحسابات عن الظروف الميدانية والسياسية التي تحيط بالانتخابات الفلسطينية المرتقبة.
فإجراء الانتخابات التشريعية في قطاع غزة يواجه تحديات كبيرة في ظل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع، فضلا عن الدمار والنزوح وتفكك البنية الإدارية والخدمية.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، يسيطر الجيش الإسرائيلي على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، وهو ما يطرح تساؤلات عملية وسياسية حول قدرة سكان القطاع على المشاركة في أي عملية انتخابية، وحول آليات تنظيم الاقتراع في المناطق التي لا تزال خارج السيطرة الفلسطينية.
ومن هنا، تبدو المصالحة داخل فتح جزءا من معادلة أوسع تتجاوز حدود الحركة نفسها؛ فشكل القائمة التي ستدخل بها فتح الانتخابات، وطبيعة التحالفات التي قد تتشكل بين حماس والجهاد والتيار الإصلاحي، ومدى قدرة الفصائل على إعادة ترتيب منظمة التحرير، كلها ملفات ستؤثر في شكل المشهد السياسي الفلسطيني المقبل.
وفي العلمين، تحاول القاهرة جمع خيوط متشابكة؛ مصالحة داخل فتح، وتقريب المواقف بين الفصائل، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير، إلى جانب البحث في ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة.
لكن نجاح هذه المساعي سيظل مرهونا بتحول اللقاءات من تفاهمات سياسية إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وبقدرة الأطراف الفلسطينية على تجاوز حسابات النفوذ والانقسام، وصولا إلى صيغة انتخابية وسياسية تستوعب مختلف القوى، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا.
