آخر الأخبار

قلنديا في مرمى الاحتلال.. الأونروا والجغرافيا الفلسطينية هدفان متلازمان

 كتبت: نغم عايش


قلنديا في مرمى الاحتلال.. الأونروا والجغرافيا الفلسطينية هدفان متلازمان


يتصاعد الضغط الإسرائيلي على الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، مع بدء إخلاء مجمع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، واقتحام قوات الاحتلال معهد قلنديا للتدريب، وإغلاق المدخل الرئيسي للمخيم، في خطوات تتزامن مع تحركات استيطانية وهجمات على رموز مرتبطة بالشهداء الفلسطينيين في مناطق عدة.

ولا تبدو هذه التطورات، وفق محللين، منفصلة عن مسار أوسع لإعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية، إذ تقع قلنديا في منطقة ذات أهمية استراتيجية تصل القدس برام الله، وتتحكم في طرق رئيسية لحركة الفلسطينيين، بينما يمثل استهداف الأونروا بعدا آخر يتعلق بقضية اللاجئين وحق العودة.

قلنديا.. عقدة جغرافية بين القدس ورام الله..

وأوضح عبد القادر عراضة، أن ما يجري في قلنديا يأتي في أعقاب سلسلة من التطورات التي شهدتها مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بينها جنين ونابلس والعوجا والخليل، إلى جانب تحركات استيطانية في مناطق أخرى.

وأشار إلى أن قوات الاحتلال ركزت في اقتحامها على معهد قلنديا للتدريب التابع للأونروا، الواقع قرب المخيم وفي منطقة استراتيجية بمحاذاة شارع المطار ومنطقة كفر عقب، وعلى الطريق الواصل بين رام الله والقدس.

وتمنح هذه الجغرافيا قلنديا أهمية تتجاوز حدود المخيم، فهي تقع على أحد المحاور الرئيسية التي تربط المدينتين، كما ترتبط بموقع مطار قلنديا الذي يحمل رمزية تتصل بالسيادة الفلسطينية وإمكان قيام دولة مستقلة ذات تواصل جغرافي.

ومن ثم، فإن السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على المنطقة لا تتعلق فقط بالتحكم في حركة السكان، بل يمكن أن تؤثر في طبيعة الاتصال الجغرافي بين مركزين أساسيين في الضفة الغربية.

الاستيطان يعيد رسم خريطة الضفة..

ويربط العميد إلياس حنا، الخبير العسكري والاستراتيجي، ما يحدث في قلنديا بمشروع إسرائيلي أوسع يقوم على التحكم في التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، مقابل تعزيز الترابط بين المستوطنات.

ويقول حنا إن المشروع يشمل مناطق استراتيجية عدة، بينها القدس ومنطقة “إي-1” وغوش عتصيون ونابلس، إضافة إلى منطقة التماس الواقعة بين جدار الفصل وخط الهدنة لعامي 1948 و1949.

وبحسبه، فإن أهمية قلنديا تتضح عند الانتقال من المستوى العام إلى الجغرافيا المحلية، إذ إن موقعها بين القدس ورام الله يجعلها نقطة مؤثرة في حركة الفلسطينيين واتصال مناطق الضفة بعضها ببعض.

كما يلفت إلى أهمية الطريق 45 والنفق الموجود في المنطقة، باعتبارهما جزءا من شبكة طرق يمكن أن تتحول إلى أدوات للتحكم في حركة الفلسطينيين، وربط المستوطنات في المقابل.

ويقول حنا إن المشروع الإسرائيلي لم يعد يقتصر على إقامة مستوطنات متفرقة، بل بات يقوم على إنشاء منظومة متكاملة من المستوطنات والطرق، بما يسمح بتعزيز التواصل بينها وعزل المدن والقرى الفلسطينية.

الأونروا.. استهداف قضية اللاجئين..

ويحمل اقتحام مجمع الأونروا في قلنديا دلالة إضافية، نظرا إلى ارتباط الوكالة الدولية بملف اللاجئين الفلسطينيين منذ تأسيسها.

فالأونروا لا تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة فقط، وإنما تمثل أيضا حضورا دوليا مستمرا في قضية اللاجئين، التي ترتبط بحق العودة وقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 194.

ويرى حنا أن استهداف الوكالة يأتي في إطار سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى تقليص حضورها، وبالتالي إضعاف أحد الأطر الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين.

وتأتي هذه التطورات بعدما صادق الكنيست الإسرائيلي في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024 على قانونين يقضيان بمنع الأونروا من ممارسة أنشطتها داخل إسرائيل وسحب الامتيازات والتسهيلات الممنوحة لها، ودخلا حيز التنفيذ نهاية يناير/كانون الثاني 2025.

وبذلك، فإن ما يحدث في قلنديا يجمع بين بعدين متداخلين: جغرافي يتعلق بموقع المنطقة وشبكة الطرق المحيطة بها، وسياسي يتعلق بمستقبل الأونروا ودورها في الحفاظ على حضور قضية اللاجئين.

عزل فلسطيني مقابل ربط المستوطنات..

ويرى حنا أن إعادة تشكيل الضفة تسير وفق معادلة تقوم على تعزيز التواصل بين المستوطنات، في مقابل زيادة عزل التجمعات الفلسطينية.

فشبكة الطرق التي تربط المستوطنات لا تؤدي وظيفة نقلية فحسب، بل تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم في حركة الفلسطينيين، وتقسم المجال الجغرافي إلى مناطق منفصلة يصعب اتصالها بعضها ببعض.

وفي حالة قلنديا، تكتسب هذه المعادلة حساسية خاصة بسبب موقعها بين القدس ورام الله، وهو ما يجعل أي تغيير في طبيعة المنطقة مؤثرا في حركة السكان وفي إمكانية الحفاظ على تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي.

ويضع الخبير العسكري هذه الإجراءات ضمن مسار استيطاني تراكمي بدأ بالتركيز على مناطق استراتيجية مثل غور الأردن، ثم توسع عبر إقامة المستوطنات وشق الطرق وربطها، وصولا إلى إعادة تشكيل محيط القدس.

وبذلك تتداخل الأهداف الأمنية والاستيطانية والجغرافية في مشروع واحد، وفق حنا، يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة.

تصعيد يتجاوز قلنديا..

وتزامنت إجراءات الاحتلال في قلنديا مع تطورات أخرى في الضفة الغربية، بينها هدم نصب تذكاري لشهداء فلسطينيين في مادما جنوب نابلس، وتحركات استيطانية في بورين، فضلا عن تحركات في سنجل وعين سينيا وعين قينيا قرب رام الله.

وتشير هذه التطورات إلى اتساع نطاق الإجراءات الإسرائيلية، بحيث لا تقتصر على العمليات العسكرية والاقتحامات، وإنما تشمل أيضا الرموز الوطنية والمؤسسات الدولية والمساحات الجغرافية ذات الأهمية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية بالتوازي مع الحرب على قطاع غزة.

ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفق الأرقام الواردة، عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفا، بينما امتد التصعيد إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث قتل أكثر من 1183 فلسطينيا وأصيب نحو 13 ألفا، إضافة إلى اعتقال قرابة 25 ألفا.

وهكذا تتحول قلنديا إلى نقطة تتقاطع فيها ملفات عدة: السيطرة على الجغرافيا، والتحكم في الطرق، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتقليص حضور الأونروا، وما يرتبط بها من قضية اللاجئين.

وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، لا يقتصر أثر ما يجري على واقع المخيم أو محيطه المباشر، بل يمتد إلى شكل الضفة الغربية نفسها، وإلى مدى قدرتها على الاحتفاظ بتواصل جغرافي فلسطيني يمكن أن يشكل أساسا لدولة مستقلة في أي تسوية سياسية مقبلة.

تعليقات