آخر الأخبار

"لن يموتوا بالنسيان".. وقفة في غزة لإحياء ذكرى شهداء مجمع ناصر

 كتبت: نغم عايش

"لن يموتوا بالنسيان".. وقفة في غزة لإحياء ذكرى شهداء مجمع ناصر


خان يونس- أمام سيارات الإسعاف المتوقفة في باحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وقفت صور خمسة صحفيين استُشهدوا قبل عام، فيما اجتمع إلى جانبها صحفيون وأطباء ومسعفون وأفراد من الدفاع المدني وأهالي الضحايا، في وقفة حملت أكثر من معنى للذكرى.

ففي المكان الذي شهد استهدافا إسرائيليا أودى بحياة صحفيين وعامل في الدفاع المدني وأصاب آخرين، أعاد المشاركون استحضار أسماء من فقدوا حياتهم وهم يؤدون أعمالهم، مؤكدين أن مرور عام على الحادثة لا يعني انتهاء آثارها، ولا يسقط حق الضحايا في معرفة ملابسات ما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه.

وأحيا المشاركون الذكرى الأولى لاستهداف الطابق العلوي من مبنى الياسين داخل المجمع، في 25 أغسطس/آب 2025، حين قُتل خمسة صحفيين أثناء وجودهم في المكان لتغطية الحرب وتوثيق ما يجري.

والصحفيون الخمسة هم مصور الجزيرة محمد سلامة، وحسام المصري، ومعاذ أبو طه، وأحمد أبو عزيز، ومريم أبو دقة.

لم يكونوا أرقاما..

في الوقفة، لم تُرفع صور الشهداء بوصفها مجرد أسماء أضيفت إلى قوائم ضحايا الحرب، بل استعاد المشاركون جانبا من حياتهم التي توقفت فجأة، ومن العائلات التي تركوها خلفهم.

وقال الصحفي عز الدين المصري، في كلمة باسم عائلات الشهداء، إن من فقدوا حياتهم كانوا أشخاصا لهم أحلامهم وعائلاتهم وتفاصيلهم اليومية، ولم يكونوا مجرد أرقام في حصيلة الحرب.

واستعاد المصري قصة مريم أبو دقة، التي تركت خلفها ابنها غيث، وحسام المصري الذي كان يحمل إلى جانب عمله الصحفي مسؤوليات أسرته وهمومها، ومحمد سلامة الذي كان ينتظر انتهاء الحرب ليستكمل ترتيبات زواجه.

كما تحدث عن معاذ أبو طه الذي اهتم خلال عمله بقصص الأطفال والمرضى، وأحمد أبو عزيز الذي واصل عمله في الميدان بينما كان يشق طريقه في مهنة الصحافة.

وبحسب المصري، فإن هؤلاء الصحفيين حملوا الكاميرا والقلم والميكروفون إلى أكثر الأماكن خطرا، ليس بحثا عن الصورة وحدها، وإنما لنقل حكايات المدنيين الذين عاشوا تحت القصف، وإيصال ما يجري إلى خارج القطاع.

وأضاف أن عائلات الشهداء لا تبحث عن الشفقة، وإنما عن الحقيقة والعدالة، وأن مطلبها الأساسي ألا تتحول قصص أبنائها إلى أرقام عابرة في تقارير المنظمات والهيئات الدولية.

الصحافة في مرمى الحرب..

ولم تقتصر الرسائل التي حملتها الوقفة على عائلات الصحفيين، إذ شارك فيها ممثلون عن القطاعين الصحي والدفاع المدني، في تأكيد على أن الاستهداف طال العاملين في الخطوط الأمامية للحرب، من صحفيين وأطباء ومسعفين ومنقذين.

وقال الصحفي إبراهيم قنّان إن الهجوم على مجمع ناصر لم يستهدف الصحفيين وحدهم، بل وقع في مكان كان يعمل فيه أطباء ومسعفون وأفراد من الدفاع المدني، مشيرا إلى أن هؤلاء كانوا يؤدون مهامهم في إنقاذ المصابين وتغطية ما يجري.

وأكد أن الصحفيين في قطاع غزة سيواصلون عملهم رغم المخاطر، وأن استهداف العاملين في الميدان لن يوقف نقل الأحداث أو يمحو ما وثقته عدساتهم.

وأضاف أن ما جرى توثيقه خلال الحرب أصبح جزءا من ذاكرة القطاع، وأن فقدان الصحفي لا يعني فقدان المادة التي تركها خلفه، ولا يلغي القصص التي نقلها إلى العالم.

أما ممثل الطواقم الطبية، الدكتور أحمد الفرا، فأكد أن العاملين في القطاع الصحي مستمرون في أداء واجبهم رغم الخسائر الكبيرة ونقص الإمكانات.

وقال إن الأطباء والمسعفين في المجمع يتمسكون بعملهم “ما بقي فيهم نفَس”، مستحضرا أسماء عدد من العاملين في الصحة والدفاع المدني والصحافة الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.

ويرى المشاركون أن اجتماع هذه القطاعات في مكان واحد يختصر طبيعة العمل في غزة خلال الحرب؛ فبينما يحاول الطبيب إنقاذ المصاب، يعمل المسعف على نقله، ويسعى رجل الدفاع المدني للوصول إليه، ويقف الصحفي خلف كاميرته لتوثيق المشهد.

الدفاع المدني يطالب بالتحقيق..

وخلال الفعالية، تلا الرائد أسعد السقا بيانا صادرا عن المديرية العامة للدفاع المدني بمناسبة مرور عام على استهداف المجمع.

وأشار البيان إلى استشهاد سائق الإطفاء والإنقاذ عماد عبد الحكيم الشاعر، وإصابة ستة من أفراد الدفاع المدني أثناء استجابتهم للضحايا.

وطالبت المديرية بإجراء تحقيق "جاد ومستقل" في استهداف مجمع ناصر، ومحاسبة المسؤولين عنه، إلى جانب توفير حماية دولية فعلية للصحفيين والطواقم الطبية والإسعافية والدفاع المدني.

وشددت على ضرورة تمكين فرق الإنقاذ والطواقم الطبية والصحفيين من الوصول إلى الضحايا وأداء مهامهم دون أن يتحول العمل الإنساني أو المهني إلى هدف في ميدان القتال.

وأكدت المديرية، في الوقت نفسه، أن فرقها ستواصل العمل في إنقاذ الأرواح وحماية المدنيين، رغم المخاطر ونقص المعدات والإمكانات.

عام على الاستهداف..

وبعد عام على الهجوم، بقي المكان شاهدا على الأدوار التي كان يؤديها الشهداء قبل رحيلهم؛ سيارات الإسعاف التي حملت المصابين، وملابس الدفاع المدني التي تحولت إلى رمز للعمل في أكثر الظروف قسوة، وصور الصحفيين الذين كانوا يقفون خلف عدساتهم لنقل المشهد.

لكن الذكرى، بالنسبة لعائلات الضحايا وزملائهم، لا تتوقف عند استعادة الأسماء.

فهم يطالبون بحماية من بقي في الميدان، وبأن تتحول عمليات استهداف الصحفيين والطواقم الطبية وفرق الإنقاذ إلى ملفات تخضع للتحقيق والمساءلة، لا إلى وقائع تمر مع مرور الأيام.

ومن أمام مجمع ناصر، حيث سقط زملاؤهم قبل عام، جدد الصحفيون والطواقم الطبية والدفاع المدني تمسكهم بمهامهم، مؤكدين أن الكاميرا ستبقى مفتوحة، وأن سيارات الإسعاف ستواصل الوصول إلى المصابين، وأن فرق الإنقاذ ستستمر في البحث عن الأحياء بين الركام.

أما عائلات الشهداء، فحملت الرسالة الأوضح في الذكرى الأولى: قد يغيب أصحاب الصور، لكن قصصهم لا ينبغي أن تغيب معهم، ولا أن يموتوا مرة ثانية بالنسيان.

تعليقات