كتبت: ياسمين خيري
تصاعدت حدة التغيرات المناخية خلال السنوات الأخيرة لِتفرض واقعا شديد القسوة على مختلف دول العالم؛ حيث تحولت الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة وموجات الطقس العنيف من مجرد ظاهرة صيفية عابرة إلى عبء بيئي وصحي مضاعف. ولم تعد وسائط التبريد التقليدية كافية لدرء أخطار هذه القفزات الحرارية متسارعة التكرار، والتي أضحت تهدد السلامة العامة وتضع القطاعات الصحية تحت ضغط مستمر، متسببة في أضرار مباشرة تشكل خطرا جسيما على الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال وكبار السن.
ضعف منظومة التنظيم الحراري للجسم
أوضحت الدكتورة نهى الألفي، استشاري الطب الوقائي والصحة العامة، أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة يمثل تهديدا مباشرا لكبار السن والأطفال، لكون جهاز التنظيم الحراري الداخلي لديهم يتسم إما بعدم النمو المكتمل أو بتراجع الكفاءة الوظيفية:
لدى الأطفال: يمتلك الطفل مساحة سطح جسم أكبر مقارنة بوزنه، مما يجعله يمتص الحرارة الخارجية بسرعة فائقة تفوق قدرة جسده على التبريد.
لدى كبار السن: تتردى كفاءة الغدد العرقية وتقل استجابة الأوعية الدموية للتمدد والتبريد وهو ما يقلل قدرة أجسادهم على التأقلم مع الشدة الحرارية الخارجية.
مخاطر الجفاف وتسلل الإجهاد الحراري
أكدت الدكتورة نهى الألفي أن التهديد الأول والأكثر شيوعا أثناء موجات الحر هو التعرض للجفاف الحاد وفقدان السوائل والأملاح المعدنية الأساسية بشكل سريع:
غشاوة العطش لدى كبار السن: غالبا ما يفقد كبار السن الشعور الطبيعي بالعطش نتيجة التقدم في العمر أو بسبب تناول بعض الأدوية المزمنة مثل مدرات البول، مما يجعلهم عرضة لفقدان السوائل دون ملاحظة الأهل.
عجز التعبير لدى الأطفال: يعجز الأطفال الصغار عن التعبير الشفهي عن حاجتهم للماء، مما قد يؤدي إلى هبوط حاد في ضغط الدم وتأثر وظائف الكلى بشكل مفاجئ.
ضربات الشمس وتهديد الوظائف الحيوية
واستطردت استشاري الطب الوقائي موضحة أن المضاعفات لا تتوقف عند حدود الجفاف والإجهاد الحراري، بل قد تتطور سريعاً إلى مرحلة «ضربة الشمس»، والتي تُعد حالة طبية طارئة تتطلب التدخل الفوري.
اضطراب الجهاز العصبي: تؤدي زيادة حرارة الجسم الداخلية عن الحدود الآمنة إلى اضطراب وظائف الجهاز العصبي المركزي؛ حيث يظهر ذلك على هيئة دوار حاد، وزغللة في العينين، وفقدان للتوازن، وتشتت ذهني لدى كبار السن، بينما يتخذ شكل نوبات من الهذيان أو التشنجات الحرارية لدى الأطفال.
مضاعفات القلب والأوعية الدموية: يضع الإجهاد الحراري عبئا خطيرا على عضلة القلب والجهاز التنفسي لدى كبار السن من أصحاب الأمراض المزمنة (كالضغط والسكر وضيق الشرايين)؛ إذ إن تسارع ضربات القلب المحموم لتبريد الجسم قد يتسبب في حدوث هبوط حاد في الدورة الدموية أو أزمات قلبية مفاجئة.
خطة الوقاية والتكيف البيئي
شددت الدكتورة نهى الألفي على أن الوقاية من مخاطر موجات الحر تتطلب اتباع استراتيجية منزلية وسلوكية صارمة تتضمن الخطوات التالية:
تجنب الخروج في أوقات الذروة: الالتزام بالبقاء في أماكن مغلقة وجيدة التهوية أو التبريد من منتصف النهار وحتى العصر.
ارتداء الملابس المناسبة: اختيار الملابس القطنية الخفيفة ذات الألوان الفاتحة التي تعكس أشعة الشمس ولا تحتبس الحرارة.
الترطيب المستمر: شرب المياه والسوائل الطبيعية بشكل منتظم دون انتظار الشعور بالعطش، مع تقديم العصائر الطازجة والأغذية الغنية بالماء (كالخضروات والفواكه الصيفية) للأطفال.
المراقبة والتدخل السريع: متابعة أي علامات إجهاد أو ارتفاع في حرارة الجسم، والتعامل الفوري معها باستخدام الكمادات الباردة والترطيب المباشر، مع طلب الرعاية الطبية العاجلة عند ظهور أي أعراض كالتشتت الذهني أو الهبوط الحاد.
