آخر الأخبار

سليمان منصور.. رحيل الفنان الذي حوّل الذاكرة الفلسطينية إلى لوحة

 كتبت: نغم عايش

سليمان منصور.. رحيل الفنان الذي حوّل الذاكرة الفلسطينية إلى لوحة




رحل الفنان التشكيلي والنحات الفلسطيني سليمان منصور، عن عمر ناهز 79 عاما، في أحد مستشفيات القدس الشرقية، بعد مسيرة فنية تجاوزت خمسة عقود، جعلته واحدا من أبرز الأسماء التي ارتبطت أعمالها بالهوية الفلسطينية والذاكرة الوطنية.

ولم يكن منصور يرسم فلسطين بوصفها مكانا فحسب، بل حاول أن يحفظ في لوحاته ما تخشى الذاكرة فقدانه؛ الأرض والقدس والزيتون والثوب الفلسطيني والقرية والإنسان، محولا تفاصيل الحياة اليومية إلى رموز تختزن حكاية شعب ظل يبحث عن حضوره في لوحة كما يبحث عنه في المكان.

وأعلنت عائلة الفنان الراحل وفاته، وقالت في بيان إن "الفصل الأخير" من حياته قد كُتب، معربة عن حزنها لفقدان الأب الذي وصفته بأنه كان مصدرا للحب والقوة وملاذا لأسرته.

وبوفاته، يفقد المشهد الثقافي الفلسطيني أحد أبرز رواده، فيما تبقى أعماله حاضرة في الذاكرة البصرية الفلسطينية، بوصفها سجلا فنيا لمرحلة طويلة من تاريخ فلسطين وتحولاتها السياسية والاجتماعية.

"جمل المحامل".. حين حملت اللوحة فلسطين..

ارتبط اسم سليمان منصور بصورة فلسطين على نحو خاص من خلال لوحته الشهيرة "جمل المحامل"، التي تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز الأيقونات الفنية والوطنية الفلسطينية.

في اللوحة، يظهر رجل يحمل على ظهره مدينة وبيوتا وأشجارا وتفاصيل من المكان، في صورة اختزلت علاقة الفلسطيني بأرضه وذاكرته، حتى أصبحت اللوحة أكثر من عمل فني؛ رمزا لشعب يحمل وطنه وتاريخه أينما ذهب.

ولهذا حضرت "جمل المحامل" في الذاكرة الفلسطينية باعتبارها صورة مكثفة لمعنى التمسك بالأرض، وتحولت إلى واحدة من أكثر أعمال منصور انتشارا وتداولا.

وقالت وزارة الثقافة الفلسطينية، في نعيها للفنان الراحل، إن تجربته شكلت على مدى عقود جزءا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية، معتبرة إياه أحد أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر.

وأضافت أن أعماله استحضرت الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون، وأسهمت في تحويل هذه العناصر إلى علامات بصرية حملت ملامح الهوية الفلسطينية إلى الجمهور العربي والدولي.

من بيرزيت إلى القدس.. تشكل التجربة الفنية..

وُلد سليمان منصور في بلدة بيرزيت شمال رام الله عام 1947، ونشأ في مرحلة كانت فلسطين فيها تشهد تحولات سياسية كبرى، انعكست لاحقا على تجربته الفنية التي أصبحت وثيقة الصلة بالمكان والهوية.

ودرس الفنون والتصميم في أكاديمية القدس، وتخرج فيها عام 1970، قبل أن ينخرط في الحركة الفنية الفلسطينية، ويسهم في تأسيس "رابطة الفنانين الفلسطينيين"، التي لعبت دورا في دعم الفنانين وتطوير المشهد التشكيلي الفلسطيني.

ومنذ بداياته، لم ينفصل منصور عن بيئته الفلسطينية، بل وجد في تفاصيلها مادة أساسية لأعماله؛ فالقرية، والأرض، والأشجار، والنساء، والثوب المطرز، كلها تحولت إلى مفردات متكررة في لوحاته.

وكان الثوب الفلسطيني المطرز حاضرا بصورة خاصة في أعماله، ولا سيما في لوحاته التي تناولت النساء الفلسطينيات، فتارة يظهر الثوب كاملا بتطريزاته، وتارة يكتفي الفنان بإبراز أجزاء من التطريز على الحواف والتفاصيل.

ولم يكن حضور الثوب في أعماله مجرد خيار جمالي، بل جاء بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية الفلسطينية، وعنصرا من عناصر الهوية التي تتناقلها الأجيال.

الفن في مواجهة محو الذاكرة..

على مدى عقود، اتخذ الفن لدى منصور وظيفة تتجاوز التعبير الجمالي، إذ أصبح وسيلة لحفظ الذاكرة الفلسطينية وتثبيت حضورها.

وفي أعماله، حضرت الأرض بوصفها أكثر من مساحة جغرافية، وحضر الإنسان الفلسطيني باعتباره حاملا للذاكرة، بينما تحولت الرموز الشعبية والتراثية إلى لغة بصرية قادرة على نقل ما تعجز الكلمات أحيانا عن اختزاله.

وكان ذلك جزءا من مسار أوسع أسهم فيه منصور إلى جانب فنانين فلسطينيين آخرين في تأسيس حركة فنية محلية ذات ملامح واضحة، تجمع بين الفن الحديث والموروث الشعبي والقضية الفلسطينية.

وفي عام 1994، شارك في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس الشرقية، وتولى إدارته بين عامي 1996 و2003، في إطار مساعيه لدعم الحركة الفنية والثقافية الفلسطينية.

ومن خلال هذه التجربة، لم يكتف منصور بإنتاج أعماله الخاصة، بل شارك أيضا في بناء بيئة فنية فلسطينية تتيح للفنانين مساحة للتجريب والعرض والتواصل.

حضور عربي ودولي..

امتد حضور سليمان منصور إلى خارج فلسطين، وحظيت تجربته بتقدير عربي ودولي، باعتبارها تجربة فنية استطاعت أن تجعل من الخصوصية الفلسطينية مدخلا إلى خطاب إنساني أوسع.

وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية عام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب عام 2025.

ومع مرور السنوات، أصبحت أعماله جزءا من الذاكرة الفنية الفلسطينية، وتحوّلت بعض لوحاته إلى صور حاضرة في الثقافة الشعبية والسياسية، بما جعل اسمه مرتبطا بفكرة تمثيل فلسطين بصريا.

ولم يكن هذا الحضور منفصلا عن قدرته على إعادة صياغة الرموز المحلية ضمن تكوينات فنية تصل إلى جمهور يتجاوز الحدود الفلسطينية.

وداع ثقافي لفنان حمل وطنه في لوحاته..

في نعيها، قالت وزارة الثقافة الفلسطينية إن رحيل منصور يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي والفني، مؤكدة أن إرثه سيبقى حاضرا في الوجدان الفلسطيني والعربي، وأن أعماله ستظل شاهدة على قدرة الثقافة والفن على حماية السردية الوطنية.

كما نعاه فنانون ومثقفون فلسطينيون، من بينهم الفنان كامل الباشا، الذي كتب مودعا: "سليمان منصور، لك سلام، ولنا ما تبقى من ذكريات وهواء".

وبين لوحة وأخرى، ترك منصور أكثر من نصف قرن من الفن؛ ترك وجوها وأشجارا وبيوتا وأثوابا ومدينة محمولة على ظهر رجل، وترك قبل ذلك كله رؤية لفلسطين كما أراد أن تبقى في الذاكرة: أرضا وهوية ومكانا لا تختصره الحرب ولا تمحوه السنوات.

رحل سليمان منصور، لكن لوحاته بقيت تؤدي المهمة التي رافقته طوال حياته؛ أن تجعل الذاكرة الفلسطينية مرئية، وأن يبقى ما رسمه شاهدا على وطن لم يغادره حتى حين غاب هو.

تعليقات