كتبت: نغم عايش
تتسع دائرة الاستهداف الإسرائيلي للأراضي الزراعية في الضفة الغربية لتطال أشجار الفلسطينيين وغطاءهم النباتي، في وقت كشفت فيه هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية عن إصدار الاحتلال 49 أمرا عسكريا منذ مطلع عام 2026 تستهدف نحو ألفي دونم من الأراضي.
وتفرض هذه الأوامر قيودا على استخدام الأراضي والانتفاع بها، وتمنع أصحابها من الوصول إليها أو زراعتها والعناية بأشجارها، إلى جانب إزالة الأشجار والمزروعات وإخضاع المناطق المستهدفة لإجراءات وترتيبات أمنية.
وتقول الهيئة إن هذه الإجراءات لا تمثل حالات منفردة، بل تأتي ضمن سياسة أوسع للسيطرة على الأرض، ولا سيما في المناطق المحاذية للمستوطنات والطرق التي يستخدمها المستوطنون والمواقع المرتبطة بجدار الفصل.
سيطرة دون مصادرة..
وبحسب التقرير الفلسطيني، فإن خطورة الأوامر العسكرية تكمن في أنها تسمح بفرض السيطرة على الأرض دون الحاجة بالضرورة إلى نقل ملكيتها رسميا.
ففي بعض الحالات تبقى الأرض مسجلة باسم أصحابها الفلسطينيين، لكنهم يفقدون القدرة الفعلية على استخدامها أو استثمارها أو الوصول إليها، بما يحول الملكية القانونية إلى حق يصعب ممارسته على الأرض.
وتحذر الهيئة من أن منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم والعناية بأشجارهم يؤدي تدريجيا إلى تراجع النشاط الزراعي، وقد يحول الأراضي إلى مساحات غير مستثمرة، الأمر الذي يمكن أن يستخدم لاحقا مبررا لاتخاذ إجراءات إضافية بحقها.
وتتركز الأوامر العسكرية، وفق الهيئة، على المناطق المحيطة بالمستوطنات والطرق الاستيطانية، بما يربط بين تجريد الأراضي من غطائها الشجري وبين توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على محيط المستوطنات.
الأشجار في مرمى الاستيطان..
ولا تنظر الهيئة إلى استهداف الأشجار باعتباره خسارة اقتصادية فحسب، إذ تؤكد أن الأشجار المعمرة، وفي مقدمتها الزيتون، تشكل جزءا من علاقة الفلسطيني بأرضه ودليلا على استمرار استغلالها ورعايتها.
ولهذا، فإن اقتلاع شجرة أو منع صاحب الأرض من الوصول إليها لا يقتصر أثره على فقدان محصول موسمي، بل يهدد بإضعاف الوجود الزراعي الفلسطيني في المنطقة المستهدفة.
كما أن إعادة زراعة الأشجار التي تُقتلع لا تعني استعادة ما فقدته الأرض بسهولة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشجار معمرة احتاجت إلى سنوات طويلة حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج.
وتشير الهيئة إلى أن الاحتلال اقتلع أو خرب أو سمم نحو 120 ألف شجرة في الضفة الغربية منذ عام 2020، في وقت تتواصل فيه إجراءات أخرى تحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم.
60 ألف دونم تحت السيطرة..
وتأتي الأوامر الجديدة في ظل تصاعد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.
ووفقا لمعطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استولى الاحتلال على نحو 60 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية خلال ألف يوم من الحرب على قطاع غزة.
كما درست الجهات التخطيطية الإسرائيلية المختصة خلال الفترة نفسها 524 مخططا هيكليا لتوسيع مستوطنات قائمة أو إقامة مستوطنات جديدة، في حين أقام الاحتلال نحو 200 بؤرة استيطانية.
وترى الهيئة أن هذه التطورات تكشف عن مسارات متوازية للسيطرة على الأرض، تبدأ من الاستيطان وشق الطرق، ولا تنتهي عند الأوامر العسكرية التي تقيد استخدام الفلسطينيين لأراضيهم.
وتقول إن إزالة الأشجار في المناطق المستهدفة تساعد على إعادة تشكيل طبيعة الأرض المحيطة بالمستوطنات، بما يوسع المساحات التي يمكن التحكم بها ويعزز شبكة الحركة الاستيطانية.
30% زيادة في المساحات المستهدفة..
وبحسب التقرير، ارتفعت مساحة الأراضي التي تستهدفها الأوامر العسكرية بنحو 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وترى الهيئة أن هذه الزيادة تعكس توسعا في استخدام الأوامر العسكرية باعتبارها أداة سريعة ومرنة لفرض وقائع جديدة على الأرض، من دون إعلان رسمي عن مصادرتها.
وفي المناطق التي يفرض فيها الاحتلال قيودا على الوصول، يصبح المزارع أمام خيار صعب: أرض يملكها أو يدعي ملكيتها، لكنه لا يستطيع زراعتها أو رعاية أشجارها أو جني محصولها.
ومع استمرار هذه القيود، تتراجع قيمة الأرض بالنسبة إلى أصحابها من الناحية العملية، بينما تزداد فرص استخدامها ضمن مشاريع أو ترتيبات تخدم التوسع الاستيطاني.
معركة على الأرض والغطاء الشجري..
وتربط الهيئة بين هذه الإجراءات وبين مسعى أوسع لإعادة رسم جغرافية الضفة الغربية، عبر تعزيز التواصل بين المستوطنات وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها.
فالطرق التي يستخدمها المستوطنون، والمستوطنات والبؤر الجديدة، والإجراءات العسكرية، واستهداف الأشجار، كلها تتحرك، وفق الهيئة، في اتجاه واحد يتمثل في توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وفي المقابل، يجد المزارع الفلسطيني نفسه أمام تضييق متزايد على الوصول إلى أرضه، في وقت تتعرض فيه الأشجار التي شكلت على مدى عقود جزءا من مصدر رزقه وذاكرته للاستهداف.
وبينما تتسع رقعة الاستيطان وتتزايد الأوامر العسكرية، لا تبدو المعركة على الأشجار منفصلة عن المعركة على الأرض نفسها؛ فالشجرة بالنسبة إلى الفلسطيني ليست مجرد مورد زراعي، وإنما شاهد على البقاء والاستغلال المتواصل للأرض.
ومن هنا، فإن اقتلاعها أو منع صاحبها من الوصول إليها قد يتحول إلى خطوة في مسار أطول، يبدأ بتجريد الأرض من غطائها الشجري، ويمر بتقييد استخدامها، وينتهي بفرض واقع جديد عليها.
