آخر الأخبار

عنب غزة يعود إلى الأسواق رغم تدمير 90% من كرومه

 كتبت: نغم عايش

عنب غزة يعود إلى الأسواق رغم تدمير 90% من كرومه


غزة- في أرض أنهكتها الحرب والتجريف، يعود العنب الغزي إلى الأسواق بكميات محدودة، بعدما تمكن مزارعون من الحفاظ على مساحات قليلة من كرومهم وإعادة تشغيلها رغم نقص المياه والأسمدة وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.

ويحاول مزارعو العنب في مناطق عدة بقطاع غزة، بينها المغراقة والشيخ عجلين، إنقاذ ما تبقى من كرومهم والوصول إلى موسم القطاف في أغسطس/آب، في وقت تشير تقديرات فلسطينية إلى أن نحو 90% من المساحات المزروعة بالعنب دُمرت خلال الحرب الإسرائيلية أو أصبحت واقعة ضمن المناطق المعروفة بالخط الأصفر.

ويقول مزارعون إن عودة العنب إلى الأسواق هذا الموسم لا تعني تعافي القطاع الزراعي، وإنما تعكس محاولة للحفاظ على ما تبقى من الإنتاج ومصدر رزق ارتبط لسنوات بمواسم الزراعة والحصاد.

من 3 آلاف دونم إلى 30 فقط..

قبل الحرب، كانت زراعة العنب تشغل نحو 3 آلاف دونم في قطاع غزة، بإنتاجية تقدر بنحو 1400 كيلوغرام للدونم الواحد، وفقا للمهندس الزراعي ومدير الجمعية التعاونية الزراعية لمنتجي العنب والخضار عز الدين أبو عميرة.

لكن الحرب غيرت المشهد بصورة جذرية، إذ لم يتبق -بحسب أبو عميرة- سوى نحو 30 دونما مزروعة بالعنب، أي قرابة 10% من المساحة التي كانت قائمة قبل الحرب.

ويقول أبو عميرة للجزيرة نت إن غالبية كروم العنب تعرضت للتدمير، بينما أصبحت مساحات أخرى غير متاحة للمزارعين بسبب وقوعها ضمن مناطق الخط الأصفر، وهو ما قلص الكميات التي يمكن طرحها في الأسواق.

وانعكس الانخفاض الحاد في الإنتاج على الأسعار، إذ ارتفع سعر كيلوغرام العنب من نحو 5 شواكل قبل الحرب إلى مستويات وصلت إلى 25 شيكلا، وفقا لتقديراته.

ويعادل ذلك أكثر من 8 دولارات للكيلوغرام، في ظل تراجع المعروض وارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل.

موسم يبدأ بالربيع وينتهي في أغسطس..

وتبدأ دورة إنتاج العنب في غزة خلال فصل الربيع، عندما يعمل المزارعون على رعاية الكروم ومتابعة نموها، وصولا إلى موسم القطاف الذي يحل عادة في أغسطس/آب.

غير أن هذا الموسم جاء مختلفا عن سابقاته، إذ يعمل المزارعون وسط نقص حاد في الأدوات الزراعية والأسمدة وارتفاع كلفة الحصول على مستلزمات الإنتاج.

ويقول أبو عميرة إن المزارعين يواجهون صعوبات كبيرة في توفير احتياجاتهم الزراعية، الأمر الذي يرفع كلفة الإنتاج ويؤثر في كمية المحصول وجودته.

كما لم تسلم طرق نقل المنتجات من تداعيات الحرب، فمع محدودية المركبات وارتفاع تكلفة الوقود والنقل، يلجأ بعض المزارعين إلى استخدام الدواب لنقل العنب وغيره من المحاصيل من الأراضي الزراعية إلى نقاط البيع والأسواق.

وتضيف هذه الصعوبات أعباء جديدة على المزارع الذي يبدأ يومه في الحقل وينهيه بمحاولة إيصال محصوله إلى المستهلك بأقل تكلفة ممكنة.

الزراعة تدفع ثمن الحرب..

ولا تقتصر خسائر القطاع الزراعي على كروم العنب، إذ تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة لأضرار خلال الحرب.

ويقدر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الخسائر المباشرة في القطاعين الزراعي والحيواني بنحو 2.8 مليار دولار، مشيرا إلى تضرر نحو 94% من الأراضي الزراعية.

كما تقلصت المساحات المزروعة من نحو 93 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة 4 آلاف دونم فقط، في حين تعرض نحو 85% من الدفيئات الزراعية للتدمير.

وتعني هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بموسم زراعي واحد، وإنما بقطاع إنتاجي فقد جزءا كبيرا من قدرته على توفير الغذاء وفرص العمل والدخل للسكان.

وفي حالة العنب، تبدو الخسارة أكثر وضوحا مع تقلص المساحة المزروعة من آلاف الدونمات إلى عشرات الدونمات فقط.

ما تبقى يصل إلى الأسواق..

ورغم ذلك، يجد بعض المزارعين طريقهم إلى الأسواق بما تمكنوا من حصاده من الكروم الباقية.

وتصل كميات محدودة من العنب إلى الأسواق الغزية، في مشهد يختلف كثيرا عن السنوات التي سبقت الحرب، حين كان الموسم يوفر إنتاجا أكبر ويتيح للمزارعين تسويق كميات واسعة من المحصول.

ويشكل العنب بالنسبة إلى الفلسطينيين أكثر من محصول موسمي؛ فهو يدخل أيضا في صناعات غذائية منزلية، أبرزها إعداد دبس العنب والمربى، إضافة إلى تخزين بعض المنتجات لاستهلاكها خلال فصل الشتاء.

لكن انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار يجعلان هذه الاستخدامات أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على شراء منتجاتها من الأسواق.

محصول بين الركام..

وفي الأراضي التي بقيت قابلة للزراعة، يحاول المزارعون استعادة دورة الحياة الزراعية، رغم آثار الحرب التي ما تزال حاضرة في محيطهم.

فالحقل الذي كان قبل سنوات مساحة للإنتاج والعمل، أصبح في مناطق عديدة محاطا بآثار التجريف والدمار، بينما فقدت عائلات زراعية أراضيها ومعداتِها ومصادر دخلها.

ويقول مزارعون إن الحفاظ على الكروم المتبقية يمثل محاولة للتمسك بالأرض ومواصلة الإنتاج، في وقت باتت فيه الزراعة نفسها مهمة شاقة تتطلب إمكانات لم تعد متاحة كما كانت.

وتتضاعف الصعوبات مع تراجع القدرة على الوصول إلى الأراضي، ونقص مستلزمات الزراعة، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

العنب.. عودة محدودة في سوق مثقل بالأزمة..

وتظهر كميات العنب المحدودة في الأسواق هذا الموسم الفارق الكبير بين واقع الزراعة قبل الحرب وبعدها.

فالمزارع الذي كان يزرع عشرات الدونمات ويعتمد على موسم العنب كمصدر دخل، يجد نفسه اليوم أمام مساحات محدودة ومحصول أقل، في حين يدفع المستهلك سعرا أعلى بكثير للحصول على كمية صغيرة من الفاكهة.

ومع ذلك، يواصل مزارعو غزة العمل في المساحات التي بقيت لهم، من رعاية الكروم إلى القطاف والنقل والتسويق.

ولا تعكس عودة العنب إلى الأسواق انتهاء أزمة الزراعة في القطاع، بقدر ما تكشف قدرة المزارعين على الاستمرار رغم تراجع الموارد واتساع حجم الخسائر.

فبينما فقدت غزة الجزء الأكبر من كرومها، بقيت مساحات صغيرة تنتج العنب وتوصله إلى الأسواق، لتشكل موسما محدودا في حجمه، لكنه حاضر في حياة السكان، ويعيد إلى الأسواق محصولا ارتبط لسنوات بالأرض والموسم ومائدة الغزيين.

تعليقات