شهدت أروقة الاجتماعات السنوية لـ صندوق النقد الدولي المنعقدة في العاصمة التايلاندية بانكوك تصريحات بارزة وأصداء متسارعة أطلقها يواخيم ناغل، رئيس البنك المركزي الألماني ("بوندسبانك") وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي. وتضمنت التصريحات رسائل حازمة ومزدوجة إلى الأسواق المالية وللأوساط الاقتصادية الدولية؛ حيث جمعت بين التحذير الشديد من التهاون مع الضغوط التضخمية المستمرة، والنظرة التفاؤلية المستدامة بشأن مستقبليات النمو في أكبر اقتصاد داخل القارة الأوروبية.
تأتي هذه المواقف الرسمية الحساسة في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي والمنظومة الأوروبية موجات متتالية من التقلبات الجيوسياسية والمالية، مما يجعل رسم السياسات النقدية ومسارات النمو أمراً بالغة الدقة ويتطلب أقصى درجات المرونة والمرقبة.
تشديد السياسة النقدية: لا استبعاد لرفع إضافي لفائدة الفائدة
في قلب كلمته وتصريحاته الصحفية، أوضح ناغل أن البنك المركزي الأوروبي لن يتردد مطلقاً في اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لإعادة معدلات التضخم في منطقة اليورو إلى المستوى المستهدف على المدى المتوسط، والمحدد بـ 2%.
وأشار رئيس "المركزي الألماني" إلى أن صُنّاع القرار في البنك المركزي الأوروبي قاموا بالفعل بإقرار زيادتين متتاليتين في أسعار الفائدة الرئيسية خلال الفترة الأخيرة للسيطرة على القوة الشرائية المنفلتة وارتفاع الأسعار. ومع ذلك، شدد على أن هذه الخطوات الاستباقية قد لا تكون الأخيرة إذا ما استمرت المؤشرات الاقتصادية على مسارها الحالي المرتفع.
وأضاف ناغل بوضوح: "لقد رفعنا أسعار الفائدة الرئيسية مرتين مؤخراً. وإذا استمر المشهد والظروف الراهنة على ما هي عليه دون كبح حقيقي للأسعار، فلا أستبعد مطلقاً أن نكون مضطرين لاتخاذ خطوات إضافية ورفع جديد لفائدة الفائدة".
ويرى صانع السياسة النقدية الألماني أن النهج الأكثر ملاءمة وحكمة في التعامل مع هذه المرحلة الحرجة هو "اتخاذ القرار في كل اجتماع على حدة" (Meeting-by-Meeting Approach). فهذا الأسلوب يمنح البنك المركزي المرونة المطلوبة للتكيف مع حالة عدم اليقين السائدة والتقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق، مما يتيح دراسة البيانات المالية والاطلاع على أرقام التضخم المحدثة فور صدورها قبل البت في اتجاه أسعار الفائدة.
شبح التضخم المتواصل: عام سادس من الارتفاعات فوق المستهدف
تأتي هذه التحذيرات في ظل واقع اقتصادي ضاغط تشهده منطقة اليورو بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص؛ إذ تُشير التوقعات الاقتصادية المعتمدة إلى أن عام 2026 يُعد العام السادس على التوالي الذي يستمر فيه معدل التضخم في ألمانيا متجاوزاً حاجز الـ 2%.
ولم تقتصر هذه الضغوط السعرية على الاقتصاد الألماني فحسب، بل امتدت لتشمل القوى الاقتصادية الكبرى الأخرى في التكتل الأوروبي، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا. وقد تسارع معدل التضخم الإجمالي على مستوى منطقة اليورو ليسجل 3.8% في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وهو مستوى يُبقي البنك المركزي الأوروبي تحت ضغوط شديدة من أجل التدخل كبحاً للغلاء.
ونتيجة لهذه المعطيات الرقمية، يرجح غالبية الخبراء والمحللين الاقتصاديين في الأسواق المالية أن يتجه البنك المركزي الأوروبي نحو رفع أسعار الفائدة الرئيسية للمرة الثالثة قبل نهاية العام الجاري، في محاولة حثيثة للسيطرة على كلفة المعيشة واستقرار الأسعار.
رؤية تفاؤلية للنمو: تعافٍ مستدام يمتد حتى عام 2028
على الجانب الآخر من معادلة المشهد الاقتصادي، رسم ناغل صورة بيانية تفاؤلية بخصوص آفاق التعافي في ألمانيا، رافضاً الطرح الذي يرى في المؤشرات الإيجابية الأخيرة مجرد "انتعاشة وقتية" أو زخم عابر.
وكان صندوق النقد الدولي قد قام برفع توقعاته لنمو الاقتصاد الألماني لعام 2026 إلى 1.3%. ورداً على التساؤلات والتكشوفات التي اعتبرت هذا الارتفاع مجرد طفرة قصيرة الأجل، صرّح ناغل بقوة بأنه لا يتفق مع هذا التقييم السلبي أو المتخوف.
وأوضح ناغل أن القراءة المتأنية للمؤشرات الأولية والبيانات المتاحة لهذا العام تعطي دلالات قوية على أن وتيرة النمو الاقتصادي لن تقتصر على المدى القريب، بل تمتلك مقومات الاستمرار والتسرع خلال العام المقبل، وقد يمتد هذا الزخم والمسار الصاعد حتى عام 2028.
ويرى ناغل أن الاقتصاد الألماني يمتلك مساحة حقيقية ومجالاً واسعاً لـ "اللحاق بالركب" واستعادة مسار النمو المتوازن في الاتجاه الصحيح، بشرط استغلال المقومات الهيكلية والتكنولوجية المتاحة.
محركات التعافي: حزمة الإصلاحات الحكومية وثورة الذكاء الاصطناعي
وفي معرض تحليله للعوامل والمحركات الأساسية التي تعزز هذه النظرة التفاؤلية نحو المستقبل الاقتصادي لألمانيا، حدد رئيس المركزي الألماني ركيزتين جوهريتين من شأنهما خلق قوة دفع اقتصادية طويلة الأجل:
حزمة الإصلاحات الحكومية الهيكلية: تُمثل الإصلاحات والتشريعات الاقتصادية التي أقرتها وتنفذها الحكومة الألمانية دعامة أساسية لتحسين بيئة الأعمال، وتذليل العقبات البيروقراطية، وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يعزز مرونة الاقتصاد وقدرته التنافسية.
الدفعة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي: شدد ناغل على الدور المحوري الذي باتت تلعبه تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في دعم القطاعات الإنتاجية والصناعية، لافتاً إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي لا ترفع من الكفاءة الإنتاجية فحسب، بل تُحدث نقلة نوعية في الابتكار وتفتح مجالات جديدة لخلق القيمة المضافة وتوليد فرص النمو.
وأكد ناغل أن تضافر هذين العاملين — التكامل بين الإصلاحات السياساتية والتطور التكنولوجي الفائق — من شأنه أن يُنشئ زَخَماً اقتصادياً حقيقياً ومستداماً، يقود الاقتصاد الألماني نحو مرحلة جديدة من التوسع والنمو الثابت وتجاوز العقبات الهيكلية التي واجهته خلال الأعوام الماضية.
خلاصة القول
تختصر تصريحات يواخيم ناغل المعادل الصعبة التي تواجه السياسة النقدية والاقتصادية في أوروبا عموماً وألمانيا خصوصاً: مواصلة الحزم والصرامة النقدية لمكافحة التضخم المرتفع عبر أداة أسعار الفائدة من جهة، والرهان على الإصلاحات الهيكلية والتكنولوجيا الحديثة لدعم النمو المستدام من جهة أخرى. وبذلك، يبعث البنك المركزي الألماني إشارات ثقة للأسواق بأن الاقتصاد يملك كافة المقومات الضرورية لتجاوز الضغوط الراهنة ومواصلة صعوده حتى نهاية الدهر الحالي.
المصدر: وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ - Deutsche Presse-Agentur / DPA).
