متابعة: آيات مصطفى
من التعلق والخذلان إلى استعادة الكرامة.. إصدار يفتح ملف الوعي العاطفي ويقدم رؤية مختلفة للحب وحدود التضحية
ماذا يحدث حين يتحول الحب من مصدر للأمان إلى عبء نفسي، وتصبح التضحية وسيلة للحفاظ على علاقة تستنزف صاحبها بدلًا من أن تمنحه الطمأنينة؟ من هذا السؤال تنطلق الكاتبة د. تيسير علي في كتابها «احترسي صديقتي المغفلة»، لتتناول واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية، وهي التمسك بالعلاقات رغم الأذى، وتبرير الخذلان باسم الحب، حتى يجد الإنسان نفسه أمام خسارة لم يتوقعها: خسارة ذاته.
ويقدم الكتاب معالجة تتجاوز الحديث التقليدي عن الانكسار العاطفي، لتسلط الضوء على الأسباب التي تدفع بعض النساء إلى الاستمرار في علاقات لا تمنحهن ما يحتجن إليه من احترام وأمان، وتدعو إلى مراجعة المفاهيم المرتبطة بالوفاء والتسامح والتضحية، وصولًا إلى استعادة التوازن النفسي والقدرة على اتخاذ القرار.
ومن خلال محاور تتناول «إدمان الأشخاص» و«خيانة النفس.. الجريمة التي نرتكبها يوميًا» و«لا تنتظري اعتذارًا.. لن يأتي»، ترسم د. تيسير علي مسارًا يبدأ بالاعتراف بالألم، ويمر بالوعي والمواجهة، وصولًا إلى التحرر والنجاة. وقد شارك الكتاب في معرض بغداد الدولي للكتاب بالعراق ومعرض طرابلس الدولي للكتاب في ليبيا، فيما يُنتظر أن يشارك في معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب.
حين تصبح التضحية عبئًا.. أين تنتهي حدود الحب؟
في العلاقات الإنسانية، قد تبدأ التضحية باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن الاهتمام، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى التزام دائم يتحمله طرف واحد، بينما يتعامل الطرف الآخر مع العطاء باعتباره أمرًا مضمونًا. ومع تكرار التنازلات، تتراجع الحدود الشخصية تدريجيًا، ويصبح الحفاظ على العلاقة أولوية تتقدم على الاحتياجات الأساسية للإنسان.
هذه المساحة يسلط عليها كتاب «احترسي صديقتي المغفلة» الضوء، من خلال طرح تجربة المرأة التي تؤجل رغباتها، وتخفي ألمها، وتتجنب المواجهة خوفًا من خسارة من تحب. وقد تجد نفسها مع الوقت تبرر تصرفات لم تكن تقبلها في السابق، وتتعامل مع الأذى باعتباره ثمنًا لا بد من دفعه مقابل استمرار العلاقة.
ولا يقتصر الطرح على إدانة الطرف المؤذي، وإنما يمتد إلى فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يتمسك بعلاقة تستنزفه، رغم إدراكه لما تسببه له من ألم. فالحب لا يلغي الحاجة إلى الاحترام، والوفاء لا يقتضي التخلي عن الكرامة، والتسامح لا يعني القبول بتكرار الأذى.
«إدمان الأشخاص».. عندما يصبح غياب الآخر مصدرًا للخوف
من المحاور اللافتة في الكتاب مفهوم «إدمان الأشخاص»، الذي يسلط الضوء على التعلق حين يتجاوز الاشتياق الطبيعي إلى مرحلة يصبح فيها وجود الآخر شرطًا للشعور بالاستقرار، ويغدو احتمال فقدانه أكثر رعبًا من استمرار علاقة غير مريحة.
وفي مثل هذه الحالات، قد يتمسك الإنسان بالشخص لا بسبب رضاه عن واقع العلاقة، وإنما خوفًا من الوحدة، أو تعلقًا بذكريات جميلة، أو انتظارًا لعودة صورة مثالية لم تعد تعكس الواقع. وهنا تتداخل المشاعر مع الأمل والقلق، ويصبح الرحيل قرارًا صعبًا حتى عندما تبدو أسبابه واضحة.
ومن خلال هذا المحور، يفتح الكتاب بابًا للتأمل في الفارق بين الحب الذي يمنح الإنسان مساحة للنمو والاستقرار، والتعلق الذي يجعله يخشى فقدان الآخر إلى حد إهمال احتياجاته الخاصة.
فالتحرر من التعلق لا يعني إنكار المشاعر أو التقليل من قيمة التجربة، وإنما استعادة القدرة على رؤية العلاقة بوضوح، واتخاذ القرارات بعيدًا عن الخوف وحده.
خيانة النفس.. التنازلات الصغيرة التي تصنع خسارة كبيرة
يتناول الكتاب أيضًا قضية «خيانة النفس.. الجريمة التي نرتكبها يوميًا»، في إشارة إلى المواقف التي يتجاهل فيها الإنسان احتياجاته، ويبرر ما يؤذيه، ويتنازل عن حقوقه حتى يتجنب الخلاف أو يحافظ على وجود شخص آخر في حياته.
وقد تبدأ هذه الخسارة بقبول موقف جارح، ثم بالصمت عن حق مشروع، وبعد ذلك بالاعتذار عن التعبير عن المشاعر أو المطالبة بالتقدير. ومع تكرار هذه المواقف، قد يصبح التنازل عادة، ويتراجع الشعور بالقدرة على الرفض أو وضع الحدود.
ويطرح هذا المحور أهمية الانتباه إلى اللحظات التي يتعارض فيها الحفاظ على العلاقة مع احترام الذات، مؤكدًا أن حماية النفس لا تعني القسوة، وأن التعبير عن الاحتياجات لا ينتقص من المحبة، بل يساعد على بناء علاقات أكثر توازنًا.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يتخلى عن مشاعره حتى يحمي نفسه، وإنما أن يدرك أن احتياجاته وكرامته تستحقان الاهتمام نفسه الذي يمنحه للآخرين.
لا تنتظري اعتذارًا.. استعادة الحياة تبدأ من الداخل
تحت عنوان «لا تنتظري اعتذارًا.. لن يأتي»، يناقش الكتاب أثر الانتظار الطويل في نفس الإنسان، حين يربط تعافيه باعتراف الطرف الآخر بما حدث، أو تفسيره للألم الذي تسبب فيه، أو تقديم اعتذار قد لا يأتي.
فالرغبة في الاعتذار مفهومة، خاصة حين يشعر الإنسان بأنه تعرض للخذلان أو لم يحصل على التقدير الذي يستحقه. لكن استمرار الانتظار قد يبقي التجربة حاضرة في تفاصيل الحياة، ويؤجل خطوات التعافي إلى أجل غير معلوم.
وتتمثل الرسالة هنا في ضرورة الفصل بين الحق في الاعتذار وبين القدرة على مواصلة الحياة؛ إذ يمكن للإنسان أن يتجاوز تجربة مؤلمة دون أن يحصل على الإجابات التي انتظرها، وأن يستعيد توازنه دون أن يجعل مستقبله رهينًا بقرار شخص آخر.
ويمتد هذا الطرح إلى مسألة عودة الأشخاص الذين تسببوا في الأذى، حيث قد يدفع الحنين إلى تذكر اللحظات الجميلة وتجاهل الأسباب التي أدت إلى الانفصال.
ومن هنا تبرز أهمية مراجعة التجربة قبل اتخاذ قرار العودة، والتمييز بين التسامح الذي يحرر الإنسان من ثقل الألم، والعودة التي قد تعيده إلى الظروف نفسها.
من الفضفضة إلى النجاة.. طريق لاستعادة القرار
لا يتوقف «احترسي صديقتي المغفلة» عند تشخيص المشكلات المرتبطة بالعلاقات العاطفية، وإنما يقدم رحلة فكرية تبدأ بالفضفضة والاعتراف بالألم، ثم تنتقل إلى الوعي والمواجهة، وصولًا إلى التحرر والنجاة.
فالاعتراف بما يؤلم الإنسان يمثل الخطوة الأولى نحو فهم التجربة، تليه مراجعة الأسباب والاختيارات، والتمييز بين ما يمكن إصلاحه وما يستنزف صاحبه دون أفق واضح للتغيير.
أما المواجهة، فلا تعني الدخول في صراعات لا تنتهي، وإنما امتلاك الشجاعة لتسمية المشكلات بوضوح، والتعبير عن الاحتياجات، ورفض السلوكيات التي تتجاوز الحدود الشخصية.
وتأتي النجاة باعتبارها استعادة للقدرة على الاختيار، لا مجرد خروج من علاقة بعينها. فقد تبدأ حين تقرر المرأة الاهتمام بحياتها وأحلامها، أو تتوقف عن قبول ما يؤذيها، أو تدرك أن قيمتها لا تتحدد بمدى تمسك شخص آخر بها.
ومن هذا المنطلق، يدعو الكتاب إلى مصالحة الإنسان مع ذاته، بعيدًا عن جلد النفس أو اعتبار التجارب العاطفية غير الناجحة دليلًا على الضعف، لتصبح الخبرات المؤلمة فرصة للفهم والنضج وإعادة ترتيب الأولويات.
من بغداد وطرابلس إلى الشارقة والقاهرة.. محطات في مسيرة الكتاب
وسجل كتاب «احترسي صديقتي المغفلة» مشاركته في معرض بغداد الدولي للكتاب بالعراق ومعرض طرابلس الدولي للكتاب في ليبيا، فيما تتطلع الكاتبة د. تيسير علي إلى مشاركات قادمة في معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب.
ويتيح حضور الكتاب في هذه الفعاليات الثقافية فرصة للتواصل مع جمهور أوسع من القراء المهتمين بالعلاقات الإنسانية والوعي الذاتي وتطوير الذات، كما يفتح المجال لمناقشة موضوعات تمس تجارب يومية يعيشها كثيرون، لكنهم قد يجدون صعوبة في التعبير عنها أو فهم أسباب تكرارها.
وتكتسب موضوعات الكتاب أهميتها من ارتباطها بمفاهيم شائعة في الحياة اليومية، مثل التضحية والوفاء والتسامح، وهي مفاهيم تحتاج إلى فهم متوازن يميز بين العطاء النابع من الاختيار الحر، والتنازل الذي تفرضه المخاوف، وبين الحفاظ على العلاقات والتخلي عن احترام الذات.
د. تيسير علي.. رسالة إلى كل امرأة تبحث عن بداية جديدة
من خلال «احترسي صديقتي المغفلة»، تضع د. تيسير علي القارئة أمام مجموعة من الأسئلة التي تستحق التوقف والتأمل: هل نتمسك بالعلاقة لأنها تمنحنا الحب، أم لأننا نخشى الفراغ الذي قد تتركه؟ وهل نسامح لأننا تجاوزنا الألم، أم لأننا نخاف خسارة الآخر؟ ومتى يصبح الحفاظ على العلاقة سببًا في إهمال أنفسنا؟
لا يدعو الكتاب إلى التخلي عن الحب أو التعامل مع الآخرين بالشك، وإنما إلى إدراك الفارق بين علاقة تمنح الطرفين مساحة للنمو، وأخرى تجعل أحدهما يتنازل باستمرار حتى يرضى بالبقاء بأي ثمن.
إنه عمل يوجه رسالته إلى المرأة التي تعبت من الانتظار، واعتادت منح الفرص على حساب راحتها، وتحتاج إلى استعادة ثقتها بقدرتها على الاختيار.
فليس في مراجعة الذات ضعف، ولا في وضع الحدود قسوة، ولا في الرحيل عن علاقة مؤذية فشل؛ بل قد تكون هذه القرارات بداية مرحلة أكثر وعيًا واتزانًا.
ويختصر الكتاب رسالته في دعوة واضحة: لا تجعلي الحفاظ على الآخرين سببًا لفقدان نفسك، ولا تدفعي من كرامتك ثمنًا لعلاقة لا تمنحك ما تستحقين.
فالحب الحقيقي لا يتطلب منك أن تختفي حتى يبقى الآخر، وإنما أن تكوني حاضرة في حياتك، بوعي وكرامة وقدرة على الاختيار.
