كتبت: نيرة عبده
تتجه أنظار الأسواق العالمية اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي بدأ أعماله ويستمر حتى الأربعاء، وسط حالة من الترقب بشأن القرار المنتظر حول أسعار الفائدة، في وقت عادت فيه مخاوف التضخم إلى الواجهة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
ويأتي اجتماع البنك المركزي الأمريكي في توقيت شديد الحساسية، بعدما تغيرت توقعات المستثمرين والمحللين خلال الأيام الأخيرة بصورة واضحة. فبعدما كانت التقديرات تميل إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع الحالي، أصبحت توقعات رفع الفائدة أكثر قوة، مدفوعة ببيانات التضخم الأخيرة وارتفاع أسعار النفط.
توقعات برفع الفائدة ربع نقطة
وبحسب استطلاع أجرته وكالة رويترز بين خبراء اقتصاديين، يتوقع نحو 85% من المشاركين أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماعه الحالي، لتصل النطاق المستهدف للفائدة إلى ما بين 3.75% و4%.
ويعكس هذا التحول في التوقعات قلقًا متزايدًا من أن التضخم لم يعد يتحرك بالسرعة المطلوبة نحو مستوى 2% الذي يستهدفه البنك المركزي الأمريكي. كما أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد من صعوبة مهمة الفيدرالي خلال الفترة المقبلة، لأن ارتفاع تكاليف الوقود يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار النقل والإنتاج والسلع والخدمات.
وكانت الأسواق قد بنت في وقت سابق توقعات مختلفة، إذ كان عدد كبير من الاقتصاديين يرى أن الفيدرالي قد يكتفي بتثبيت الفائدة خلال عام 2026. إلا أن التطورات الأخيرة دفعت المؤسسات المالية الكبرى إلى إعادة النظر في تقديراتها، وأصبح الحديث عن رفع الفائدة أكثر حضورًا في الأسواق.
النفط يزيد صعوبة المشهد
ولا ترتبط المخاوف الحالية ببيانات التضخم وحدها، إذ لعب ارتفاع أسعار النفط دورًا مهمًا في زيادة حالة عدم اليقين.
وشهدت أسعار الخام ارتفاعات قوية خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط وما يرتبط بها من مخاوف بشأن حركة إمدادات الطاقة العالمية. وأشارت رويترز إلى أن سعر خام برنت تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، قبل أن يسجل مستويات مرتفعة خلال تعاملات الإثنين.
ويمثل النفط عنصرًا مؤثرًا في حسابات البنوك المركزية، لأن استمرار ارتفاعه لفترة طويلة يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتصنيع ويزيد أسعار العديد من المنتجات، وهو ما قد يجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، يواجه الاقتصاد الأمريكي معادلة دقيقة؛ فرفع أسعار الفائدة يساعد على تهدئة التضخم من خلال زيادة تكلفة الاقتراض وتقليل الطلب، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى إبطاء النشاط الاقتصادي إذا استمر التشديد النقدي لفترة طويلة.
الدولار والسندات والأسواق تحت المراقبة
وقبل صدور قرار الفيدرالي، بدأت الأسواق في الاستعداد لسيناريو ارتفاع الفائدة، وهو ما انعكس على حركة الدولار وسوق السندات.
وسجل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات أكثر من 5% خلال تعاملات الإثنين، في مستوى هو الأعلى منذ أكتوبر 2023، وسط مخاوف مرتبطة بالتضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتوقعات السياسة النقدية.
كما شهد الدولار دعمًا من توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، في الوقت الذي تراجعت فيه بعض العملات الرئيسية أمامه.
ويُنظر إلى تحركات سوق السندات باعتبارها مؤشرًا مهمًا على توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد والفائدة، ولذلك ستكون تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بعد القرار محل اهتمام واسع، خاصة أن الأسواق لا تراقب قرار الفائدة وحده، وإنما تحاول معرفة ما إذا كانت هناك زيادات أخرى محتملة خلال الأشهر المقبلة.
ماذا يعني القرار للمواطنين والأسواق؟
قرار الفيدرالي الأمريكي لا يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، نظرًا للدور الكبير الذي يلعبه الدولار في التجارة والاستثمار والتمويل الدولي.
وفي حال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة، قد تزداد تكلفة الاقتراض بالدولار، كما يمكن أن تتأثر حركة رؤوس الأموال والأسواق الناشئة، خاصة إذا استمر الدولار في تحقيق مكاسب أمام العملات الأخرى.
أما الذهب، فقد تعرض لضغوط في بداية الأسبوع مع زيادة توقعات رفع الفائدة وارتفاع عوائد السندات، إذ عادة ما تصبح الأصول التي لا تقدم عائدًا ثابتًا أقل جاذبية عندما ترتفع عوائد أدوات الدين.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الأهم لن يكون فقط معرفة ما إذا كان الفيدرالي سيرفع الفائدة أم لا، وإنما معرفة الرسالة التي سيقدمها بشأن الخطوات التالية.
لحظة مهمة للاقتصاد العالمي
ويأتي اجتماع سبتمبر في ظل مشهد اقتصادي عالمي معقد، تتداخل فيه عدة عوامل في الوقت نفسه: تضخم أعلى من المستهدف، أسعار نفط مرتفعة، توترات جيوسياسية، ارتفاع عوائد السندات، وتغير مستمر في توقعات الأسواق.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة في اجتماعه السابق خلال يوليو عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، بينما تشير التوقعات الحالية إلى احتمال انتقال النطاق إلى 3.75%–4% إذا تم تنفيذ الزيادة المتوقعة.
ومن المقرر أن يختتم الفيدرالي اجتماعه يوم الأربعاء، لتتجه الأنظار بعد ذلك إلى القرار الرسمي وتصريحات رئيس البنك المركزي، بحثًا عن إشارات توضح اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وفي النهاية، فإن القرار المرتقب لا يمثل مجرد تحرك لسعر الفائدة داخل الولايات المتحدة، بل قد يكون له تأثير على الدولار والذهب وأسواق الأسهم والسندات وتدفقات الاستثمار حول العالم. ومع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع الطاقة والتوترات الجيوسياسية، يبدو أن معركة البنوك المركزية ضد التضخم لم تنتهِ بعد، وأن الأسواق تستعد لفترة جديدة من القرارات الحذرة والتحركات المتقلبة.
.jpg)
لا يسمح بالتعليقات الجديدة.