آخر الأخبار

لماذا تراجعت صادرات مصر من الذهب؟ ثلاثة عوامل تضغط على القطاع

 

لماذا تراجعت صادرات مصر من الذهب؟ ثلاثة عوامل تضغط على القطاع

القاهرة – سجلت صادرات مصر من الذهب والمشغولات الذهبية تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، في انعكاس لتغيرات متزامنة في السوق المحلية ومسارات التصدير وإجراءات نفاذ الشركات المصرية إلى الأسواق الخارجية. ووفق بيانات حديثة للهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بلغت قيمة الصادرات نحو 2.4 مليار دولار، مقارنة بنحو 4.3 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بانخفاض نسبته 44%.
وتعزو شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية هذا الأداء إلى ثلاثة عوامل رئيسية: تنامي الطلب المحلي على المشغولات الذهبية، والاضطرابات الإقليمية التي أثرت في حركة الشحن إلى بعض الأسواق، إلى جانب عقبات إجرائية وبيروقراطية تواجه المصدرين. ويقول رئيس الشعبة إيهاب واصف إن تضافر هذه العوامل انعكس على الكميات المتاحة للتصدير وعلى قدرة الشركات على تسليم شحناتها في المواعيد المعتادة.

الطلب المحلي يستوعب حصة أكبر من المعروض

    كان ارتفاع الإقبال على شراء الذهب داخل مصر، ولا سيما المشغولات، العامل الأول الذي أشار إليه القطاع لتفسير تراجع الصادرات. فحين يزيد الطلب في السوق المحلية، يتجه جزء أكبر من المعروض إلى تلبية احتياجات المستهلكين والتجار داخل البلاد، بدلاً من توجيهه إلى العملاء في الخارج. وبحسب واصف، شهدت الأشهر السبعة الأولى من العام نشاطاً أوضح في شراء المشغولات، وهو ما انعكس على حجم الذهب المتاح أمام الشركات المصدرة.
ولا يعني ذلك أن زيادة الطلب المحلي تفسر وحدها هبوط الصادرات، لكنها تضيف ضغطاً على توازن السوق بين البيع المحلي والتصدير. فالمصدر يحتاج إلى توافر كميات مناسبة من المنتجات، وإلى قدرة على تجهيز الطلبيات بالمواصفات والتوقيت اللذين يطلبهما المستوردون. ومع استيعاب السوق المصرية جزءاً أكبر من المعروض، يصبح الحفاظ على مستويات الشحن الخارجي أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف التشغيل أو تأخر الإجراءات.
وفي الوقت نفسه، لم تتراجع حركة التصدير إلى جميع الوجهات بالدرجة نفسها. فقد أشار رئيس الشعبة إلى استمرار نشاط التجارة الخارجية مع أسواق من بينها كندا وأستراليا، بما ساعد على تعويض جزء من الهبوط في الصادرات المتجهة إلى الإمارات. ويعكس ذلك أهمية تنويع الأسواق، لأن الاعتماد الكبير على وجهة رئيسية يجعل أداء القطاع أكثر حساسية لأي اضطراب يصيب حركة النقل أو الطلب في تلك الوجهة.

اضطرابات الطيران والشحن تضغط على السوق الإماراتية

    العامل الثاني يرتبط بالتطورات الإقليمية وتأثيرها في حركة الطيران والشحن. وتعد الإمارات أكبر سوق مستوردة للذهب والمشغولات المصرية، ولذلك فإن أي تعطل في خطوط النقل أو صعوبة في ترتيب الشحنات إليها يمكن أن يترك أثراً ملموساً في إجمالي الصادرات. وذكر واصف أن حركة التصدير إلى الإمارات تأثرت مؤخراً بالاضطرابات التي شهدتها حركة الطيران على خلفية الحرب، الأمر الذي انعكس على الشحن والتصدير وتسبب في تراجع الكميات الموجهة إلى السوق الإماراتية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المشغولات الذهبية، إذ لا تتوقف عملية التصدير على توافر المنتج وحده، بل تشمل ترتيبات النقل والتأمين والتسليم والالتزام بمتطلبات المستوردين. وعندما تصبح الرحلات أو مسارات الشحن أقل انتظاماً، قد تضطر الشركات إلى تعديل جداولها أو تحمل وقت وكلفة إضافيين. وقد يؤجل بعض المشترين استلام الطلبيات أو يعيدون ترتيبها، فيما تبحث الشركات المصدرة عن بدائل لوجستية تضمن وصول المنتجات بأمان وفي الوقت المطلوب.
وتُظهر الأرقام المنشورة حجم التراجع في العلاقة التجارية مع الإمارات: فقد سجلت صادرات الذهب المصري إليها نحو 1.2 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 3.4 مليار دولار في عام 2025، بانخفاض قدره 65% وفق البيانات الواردة. وتؤكد هذه الأرقام مدى الوزن الذي تمثله السوق الإماراتية في خريطة الصادرات، كما تبرز الحاجة إلى متابعة أثر الاضطرابات على نحو منفصل عن أداء الأسواق الأخرى، التي قد تسلك مسارات مختلفة.
ومع ذلك، فإن استمرار النشاط في كندا وأستراليا يقدم إشارة إلى وجود فرص خارج السوق التقليدية. ويمكن أن يساعد التوسع في وجهات جديدة على توزيع المخاطر، لكنه يتطلب وقتاً وجهداً تجارياً واستثماراً في الترويج والعلاقات مع المستوردين. كما أن دخول أسواق إضافية لا يعوض تلقائياً تراجع الوجهات الكبرى؛ إذ يحتاج إلى بناء قنوات بيع مستدامة وفهم متطلبات كل سوق، من مواصفات المنتج إلى إجراءات الاستيراد والتسليم.



الإجراءات والبيروقراطية ترفعان الوقت والكلفة

    أما العامل الثالث فيتعلق بالتحديات الإدارية التي تواجه الشركات الراغبة في زيادة صادراتها. ولفت واصف إلى أن إجراءات التصدير قد تتطلب التعامل مع جهات متعددة، بما يزيد الوقت اللازم لإنجاز المعاملة ويرفع الكلفة على الشركة. وكلما طال إنجاز المستندات أو تعددت خطوات الحصول على الموافقات، تقل قدرة المصدر على الاستجابة السريعة للطلبات الخارجية، خصوصاً في قطاع تتأثر فيه الصفقات بمواعيد التسليم وتغيرات السوق.
ومن أبرز النقاط التي أشار إليها رئيس الشعبة صعوبة استرداد ضريبة القيمة المضافة. فاسترداد الضريبة في الوقت المناسب يؤثر في السيولة المتاحة لدى الشركة وفي قدرتها على تمويل شراء الخامات والإنتاج والتجهيز لشحنات جديدة. وإذا طال انتظار الاسترداد، قد تتحمل المنشأة أعباء تمويلية إضافية، أو تضطر إلى تجميد جزء من مواردها في مبالغ كان يمكن توجيهها إلى التوسع والإنتاج والتسويق.
كما تمثل إجراءات مشاركة الشركات المصرية في المعارض الدولية تحدياً آخر. فهذه المعارض تعد من الوسائل المهمة للتعريف بالمنتجات وبناء علاقات مباشرة مع المشترين والموزعين واكتشاف أسواق جديدة. لكن تعقيد المشاركة أو زيادة متطلباتها قد يحد من قدرة الشركات، ولا سيما الأصغر حجماً، على الاستفادة من هذه المنصات. وبذلك لا تقتصر آثار البيروقراطية على إنجاز الشحنات القائمة، بل قد تمتد إلى فرص التوسع التجاري التي يمكن أن تفتحها المعارض واللقاءات المهنية.

ما الذي يمكن أن يدعم تعافي الصادرات؟

    يرى القطاع أن معالجة هذه التحديات يمكن أن تعزز تنافسية الذهب والمشغولات المصرية في الخارج وترفع قدرة الشركات على التوسع. ويشمل ذلك تبسيط الإجراءات وتنسيقها بين الجهات المعنية، وتقليل الزمن اللازم لإنهاء المعاملات، وتحسين كفاءة استرداد ضريبة القيمة المضافة، وتيسير مشاركة الشركات في الفعاليات الدولية. وهذه الخطوات، بحسب ما يطرحه القطاع، من شأنها خفض الأعباء التي يتحملها المصدر وتحسين قدرته على التخطيط للطلبيات والتوسع في أسواق جديدة.
لكن تحسن الإجراءات وحده لا يلغي أثر الطلب المحلي المرتفع أو اضطرابات النقل؛ لذلك يتطلب دعم الصادرات التعامل مع العوامل الثلاثة معاً. فالقطاع يحتاج إلى بيئة إجرائية أسرع، وإلى مرونة أكبر في ترتيبات الشحن، وإلى استراتيجية لتنويع الأسواق، بالتوازي مع تلبية الطلب المحلي. كما تظل متابعة الأسواق القائمة، وفي مقدمتها الإمارات، ضرورية، مع الحفاظ على النشاط في وجهات مثل كندا وأستراليا والعمل على توسيع قاعدة المشترين.
وتشير بيانات الأشهر السبعة الأولى إلى أن تراجع الصادرات ليس مجرد تغير في رقم إجمالي، بل نتيجة تفاعل بين ما يحدث داخل السوق المصرية وما يطرأ على حركة التجارة الخارجية وطريقة تنفيذ المعاملات. وبينما استوعب المستهلك المحلي حصة أكبر من المشغولات، واجه المصدرون اضطراباً في أحد أهم مساراتهم الإقليمية، إلى جانب إجراءات يقول القطاع إنها تزيد الوقت والتكلفة. وستتوقف قدرة الصادرات على استعادة زخمها على مدى سرعة تخفيف هذه الضغوط، وعلى قدرة الشركات المصرية على تحويل فرص الأسواق الدولية إلى طلبات فعلية وشحنات منتظمة.
تعليقات