كتبت: ياسمين خيري
تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية على مخزونات صواريخ باتريوت في أوروبا، وتزايد التهديدات الروسية للبحار والكابلات، وسباق التسلح الأوروبي للحد من الاعتماد على واشنطن.
أوروبا بين استنزاف الدفاع الجوي والمخاطر البحرية
تواجه القارة الأوروبية مع بداية عام 2026 اختبارا دفاعيا مزدوجا يعكس التحولات الجذرية في المشهد الأمني الإقليمي؛ فمن جهة، تسببت المواجهات العسكرية الأمريكية مع إيران في استنزاف حاد ومباشر لمخزونات صواريخ الاعتراض، وعلى رأسها منظومة «باتريوت» المعتمدة ضمن مظلة الدفاع الغربية، ما أثار قلقا بالغة الشدة داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» بشأن القدرة الاستباقية على التصدي لأي هجمات صاروخية مستقبلية.
ومن جهة أخرى، تدفع المخاوف الأمنية المتزايدة من الأنشطة والتهديدات الروسية في البحار—والتي تستهدف الكابلات البحرية للإنترنت وخطوط نقل الطاقة والبنية التحتية الحيوية—العواصم الأوروبية إلى إطلاق سباق محتدم لإعادة بناء وتأمين أساطيلها وقواتها البحرية.
أزمة صواريخ باتريوت واستنزاف مخزونات الاعتراض
وبحسب إفادات مسؤولين عسكريين ومصادر مطلعة، وصلت مخزونات صواريخ «باتريوت» المتقدمة لدى الدول الأوروبية إلى مستويات حرجة جدا بعد تسارع استهلاك الصواريخ الاعتراضية ونقل كميات كبيرة منها نحو منطقة الشرق الأوسط لتغطية العمليات الجارية، إلى جانب الشحنات والمساعدات الموجهة مسبقا لصالح أوكرانيا. ويتركز النقص الأكثر خطورة في الطرازات القادرة على التصدي للصواريخ الباليستية عالية السرعة.
وتكمن خطورة الفجوة الحالية في عدم قدرة الصناعات الدفاعية الأوروبية على معالجتها بسرعة وسد النقص؛ كون منظومة «باتريوت» تُعد الركيزة الأساسية للتعامل مع التهديدات الباليستية المتقدمة. ومع الكثافة العالية لاستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في التوترات القائمة، باتت الثغرات الدفاعية تؤثر مباشرة على تأمين القواعد العسكرية والمدن والمرافق الحيوية.
وفي إطار مساعي تقليل الاعتماد على التجهيزات الأمريكية، تتجه أوروبا لتطوير منظومتها الخاصة مثل نظام (SAMP/T NG) الفرنسي-الإيطالي كبديل مستقل، إلا أن قدراته التشغيلية لا توفر بديلا مطابقا لكفاءة الباتريوت، فضلا عن إنتاجيته المحدودة وضغوط سلاسل الإمداد التي تحول دون سرعة التوفير.
طفرة الإنفاق الدفاعي ومصروفات التسليح لعام 2026
وتكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة واضحة؛ فرغم الطفرة القياسية في الميزانيات العسكرية، تتواصل الثغرات في التجهيزات؛ إذ قفزت النفقات الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي إلى 418 مليار يورو في عام 2025 بزيادة قدرها 20% مقارنة بالعام السابق، ومن المتوقع أن ترتفع الميزانية الدفاعية إلى 454 مليار يورو خلال عام 2026، لتشكل نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد، مع تخصيص قرابة 163 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية المباشرة.
السباق البحري وتأمين الكابلات والبنية التحتية
ولم يعد سباق التسلح يقتصر على المنظومات البرية والجوية؛ بل تحول الميدان البحري إلى ساحة دفاعية رئيسية، مع امتداد الخطر لتهديد البنية التحتية القابعة تحت الماء، والتي يمر عبرها أكثر من 99% من حركة البيانات والإنترنت العالمية و90% من التجارة وإمدادات الطاقة الخاصة بالاتحاد الأوروبي.
وتستحوذ أربع دول هي: فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا على نحو 87% من قاعدة الإنتاج الصناعي للدفاع البحري بالاتحاد للأعوام (2016-2025)، وسجلت وحدها نحو 82% من قيمة الإنتاج الإجمالي لعام 2025، بريادة فرنسية بلغت 37% من إنتاج المركبات البحرية، مقابل 19% لكل من ألمانيا وإيطاليا، و8% لإسبانيا. كما تشكل صناعة الغواصات نسبة 27% من إجمالي الإنتاج البحري الدفاعي للاتحاد.
ولمواجهة هذه التحديات، خصصت المفوضية الأوروبية في فبراير 2026 نحو 347 مليون يورو لمشاريع حماية وتأمين الكابلات البحرية، شملت 20 مليون يورو لآليات الترميم والإصلاح السريع. بالتوازي مع ذلك، يواصل حلف الناتو تنفيذ مهمة (Baltic Sentry) التي أُطلقت في يناير 2025 لحماية بحر البلطيق عبر الفرقاطات والدوريات الجوية والمسيرات البحرية المتقدمة.
وتضع هذه التطورات أوروبا أمام واقع يتطلب الاستقلالية العسكرية الشاملة، ليس فقط عبر ضخ الميزانيات، بل بتأمين سلاسل التوريد المستقلة، وبناء المخزونات الاستراتيجية، وحماية كافة الركائز البحرية والجوية الحيوية.
