توقعات بتباطؤ التضخم الأساسي في سبتمبر رغم ضغط الطاقة والوقود، فيما تراقب الأسواق مسار الأسعار والسيولة
يتوقع بنك «جيه بي مورغان» أن يتجه البنك المركزي التركي إلى خفض سعر الفائدة الرئيسي خلال اجتماعيه المقررين في 22 أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، مع توقع وصوله إلى 35% بنهاية العام. ويأتي هذا التقدير في وقت يرى فيه البنك أن التضخم الأساسي يواصل التراجع، رغم الضغوط التي يمكن أن يضيفها ارتفاع أسعار الطاقة والوقود إلى كلفة المعيشة والأسعار في تركيا.
وتُعد هذه التوقعات قراءة لما قد يحدث في الاجتماعات المقبلة وليست قراراً معلناً من البنك المركزي. وبحسب تقدير «جيه بي مورغان»، يُنتظر خفض الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في كل من اجتماعي أكتوبر وديسمبر، بما يقود إلى مستوى 35% في نهاية العام. وسيعتمد تحقق هذا المسار على البيانات الاقتصادية المقبلة وعلى تقدير صانعي السياسة النقدية للتوازن بين احتواء التضخم ودعم استقرار الأسواق والاقتصاد.
مؤشرات سبتمبر محور التوقعات
تترقب الأسواق صدور بيانات التضخم التركية في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول. وقبل نشرها، قدّر «جيه بي مورغان» أن تتراجع وتيرة التضخم الشهري العام في سبتمبر إلى 1.9% على أساس معدل موسمياً، بعد أن سجلت 2.3% في أغسطس/آب. كما توقع أن يتباطأ التضخم الأساسي إلى 1.6%، مقارنة مع 2% في الشهر السابق.
وتحمل هذه التقديرات دلالة مهمة في تقييم اتجاه الأسعار، لكنها لا تعني أن الضغوط التضخمية انتهت. فالمؤشر الأساسي، الذي يركز على الاتجاهات الأوسع في الأسعار، قد يتراجع بالتزامن مع بقاء بعض البنود المتقلبة أو المرتبطة بتكاليف الطاقة تحت ضغط. ومن هنا يأتي التباين بين توقع تباطؤ المؤشر الأساسي وبين انتظار ارتفاع أسعار المستهلكين إجمالاً على أساس شهري.
ويتوقع البنك أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 2.2% على أساس شهري في سبتمبر، مدفوعاً بزيادة أسعار الوقود، إلى جانب تعديلات موسمية مرتبطة بالعودة إلى المدارس. وعند المقارنة السنوية، يرجح أن ينخفض معدل التضخم إلى 30.2%، مقابل 31.5% في أغسطس. وبذلك تجمع الصورة المتوقعة بين استمرار ارتفاع الأسعار من شهر إلى آخر وبين تراجع المعدل السنوي مقارنة بالشهر السابق، وهو فرق مهم عند قراءة مسار التضخم.
الطاقة والوقود عامل ضغط مباشر
يرى «جيه بي مورغان» أن أسعار الطاقة في تركيا قد تسجل زيادة شهرية تقارب 6% خلال سبتمبر. ويعزو ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، الذي ينعكس على تكاليف البنزين والديزل وأنواع الوقود الأخرى. ويكتسب هذا العامل أهمية لأن الوقود يدخل في كلفة التنقل والنقل والإنتاج، كما أن تغير أسعاره قد يضيف ضغطاً على أسعار سلع وخدمات متعددة.
في المقابل، يتوقع البنك أن يظل تضخم أسعار المواد الغذائية تحت السيطرة نسبياً، عند نحو 0.9% على أساس شهري. وإذا تحقق هذا التقدير، فقد يساعد على الحد من مساهمة الغذاء في الزيادة الشهرية للأسعار، لكنه لا يلغي أثر الطاقة أو البنود الأخرى. ولهذا ستكون قراءة الأرقام التفصيلية، وليس المعدل الإجمالي وحده، ضرورية لفهم مصادر التضخم في سبتمبر.
وأشار البنك كذلك إلى احتمال إلغاء تركيا آلية التسعير المتدرج للبنزين، وإلى توجه نحو الإلغاء التدريجي للدعم الضريبي على الديزل. وهذه التغييرات، إن نُفذت، قد تؤثر في طريقة انتقال تحركات أسعار الطاقة إلى المستهلكين. لكن مسار التنفيذ وتوقيته وحجم أثره النهائي تظل أموراً غير محسومة ضمن التوقعات الحالية، ولا ينبغي التعامل معها على أنها قرارات نافذة ما لم يصدر إعلان رسمي.
خفض الفائدة بين التضخم والاستقرار
على أساس توقعاته للتضخم والسياسة النقدية، يرجح «جيه بي مورغان» أن يصل معدل التضخم العام في تركيا إلى 29.5% بحلول نهاية العام، بينما يرى أن سعر الفائدة الرئيسي قد ينتهي عند 35%. ويعكس اجتماع هذين الرقمين توقعاً لبقاء الفائدة الاسمية أعلى من التضخم المتوقع في نهاية العام، إلا أن الأرقام وحدها لا تحسم كيفية تطور السياسة النقدية؛ إذ إن قرارات البنك المركزي تتأثر بالمسار الفعلي للأسعار وبالتوقعات وبالأوضاع المالية.
وتظل الفائدة التركية مرتفعة مقارنة بمستويات كثيرة حول العالم، بحسب ما أورده التقرير. وأي خفض تركي محتمل يأتي، وفق المقارنة الواردة فيه، في وقت بدأت فيه بعض الاقتصادات الكبيرة رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال الأشهر القليلة الماضية. ولا تعني هذه المقارنة بالضرورة أن الظروف في تلك الاقتصادات متطابقة مع ظروف تركيا؛ لكنها تبرز اختلاف اتجاهات السياسة النقدية بين الدول، وتؤكد أن كل بنك مركزي يوازن بين التضخم والنمو والاستقرار وفق معطيات اقتصاده.
وتكمن أهمية الاجتماعين المقبلين في أنهما سيقدمان إشارات إضافية بشأن مدى الثقة في تباطؤ التضخم. فإذا جاءت البيانات قريبة من تقديرات البنك أو أقل منها، فقد تعزز الرهانات على خفض الفائدة. أما إذا اتضح أن ضغط الطاقة أو غيره من المكونات يدفع الأسعار إلى مسار أعلى، فقد تصبح عملية التيسير أكثر حذراً. وفي جميع الأحوال، تظل تقديرات «جيه بي مورغان» سيناريو متوقعاً، بينما تكون قرارات الفائدة الفعلية من اختصاص البنك المركزي التركي.
ضغوط الأسواق وصناديق الاستثمار
تأتي هذه التوقعات في ظل تعرض الأسواق المالية التركية لضغوط خلال الأسابيع القليلة الماضية. ووفق المعلومات الواردة، جرى تصفية أكثر من 130 صندوقاً استثمارياً كانت محوراً لما وصفه وزير العدل التركي بأنه «عمليات تلاعب». ولا تتضمن المعطيات المتاحة هنا تفاصيل كافية لتحديد أسباب تصفية كل صندوق أو أثرها المنفصل، لذلك لا يمكن الجزم بمدى ارتباطها المباشر بمسار الفائدة أو التضخم.
لكن وجود ضغوط في الأسواق يضيف بعداً آخر إلى النقاش حول السياسة النقدية. فالمستثمرون يتابعون معدلات الفائدة والتضخم، كما يراقبون التطورات المتعلقة بالسيولة والثقة في الأسواق. وقد يؤدي تزامن تقلبات السوق مع قرارات نقدية مرتقبة إلى زيادة حساسية التوقعات لأي بيانات جديدة، من دون أن يعني ذلك أن عاملاً واحداً يفسر حركة السوق أو اتجاه السياسة.
وتظل الصورة الاقتصادية التركية خلال الأشهر المقبلة مرتبطة ببيانات فعلية ستصدر تباعاً، وفي مقدمتها قراءة التضخم لشهر سبتمبر ثم قرارات اجتماعي أكتوبر وديسمبر. وبينما يتوقع «جيه بي مورغان» تباطؤاً في التضخم الأساسي وخفضاً للفائدة وصولاً إلى 35%، فإن ارتفاع الطاقة، وتطور أسعار الوقود، وأثر التعديلات الموسمية، وحركة الأسواق ستظل عناصر مؤثرة في تقييم المسار.
وبالنسبة إلى المتابعين، فإن الفارق بين توقعات البنك والقرارات الرسمية يستحق الانتباه: خفض الفائدة لا يصبح أمراً واقعاً قبل صدور قرار من البنك المركزي، كما أن توقع تراجع التضخم السنوي لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار نفسها، بل يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالفترة السابقة. ومن شأن نشر بيانات أكتوبر أن يوضح مدى اقتراب الاقتصاد من السيناريو الذي رسمه البنك، وأن يقدم مؤشراً أوضح إلى ما إذا كان الطريق نحو معدل فائدة عند 35% بنهاية العام لا يزال قائماً.

