آخر الأخبار

الركام يتحول إلى مواد بناء في غزة وسط أزمة الأسمنت

 كتبت: نغم عايش

 

الركام يتحول إلى مواد بناء في غزة وسط أزمة الأسمنت

في ظل النقص الحاد في مواد البناء وإغلاق المعابر وتعطل سلاسل التوريد، لجأ مهندسون في قطاع غزة إلى استخدام بدائل محلية لإنشاء مبنى من طابقين في مدينة دير البلح وسط القطاع، مستفيدين من هيكل معدني وجزء من مواد جرى استخراجها من ركام المباني المدمرة.

وتأتي التجربة في وقت يواجه فيه قطاع غزة أزمة إنشائية واسعة، بعدما أدت الحرب إلى تدمير أعداد كبيرة من المباني والمصانع والمخازن، إلى جانب صعوبة إدخال الأسمنت والحديد ومواد البناء الأساسية، مما دفع العاملين في القطاع الهندسي إلى البحث عن حلول تعتمد على الإمكانات المتاحة داخل القطاع.

وقالت شركة "الرمال الطيبة" إن تنفيذ المبنى استغرق نحو أربعة أشهر، موضحة أن المشروع يمثل محاولة لتطوير أسلوب إنشائي بديل عن البناء التقليدي القائم على الخرسانة والأسمنت، في ظل الظروف التي فرضتها الحرب.

مبنى من الحديد والركام..

يخصص المبنى لدعم عمليات إحدى المؤسسات الإغاثية التابعة لبرنامج الأغذية العالمي، ضمن منظومة لوجستية وإدارية يجري تطويرها في المنطقة الوسطى من القطاع، بهدف تنظيم عمليات التخزين وحركة الشاحنات والخدمات المرتبطة بالعمل الإغاثي.

ويعتمد المبنى على هيكل داخلي من القطاعات الحديدية المعروفة باسم "البروفيل"، في حين استخدمت ألواح معدنية في الأسقف، ونُفذت أعمال عزل من الداخل للحماية من الرطوبة.

أما الواجهات الخارجية فكسيت بالحجر القدسي، وكان جزء من الحجر المستخدم قد جرى جمعه من ركام منازل ومنشآت تعرضت للقصف، بعد شرائه من أصحابها، وفق القائمين على المشروع.

وقال المهندس عوني شرف، المشرف على تنفيذ المشروع، إن فكرة استخدام هذا الأسلوب جاءت نتيجة مباشرة للنقص الكبير في مواد البناء التقليدية، بعد توقف مصانع وتضرر مخازن ومنشآت إنتاجية خلال الحرب.

وأوضح شرف أن طريقة الإنشاء تحاكي في بعض مراحلها البناء التقليدي، لكن مع استبدال العناصر الخرسانية بالهيكل الحديدي، إذ جرى الاعتماد على قواعد قائمة من منشآت مدمرة، ثم تنفيذ حزام أرضي من الحديد وإنشاء جلسات سفلية وعلوية، قبل إقامة الطابق الأول باستخدام القطاعات المعدنية.

وأضاف أن السقف نُفذ باستخدام ألواح "الزينكو" المصفح، بينما ركبت الأحجار على الواجهات الخارجية بطريقة فنية.

الركام مصدر للمواد..

لم يكن تأمين المواد اللازمة للمشروع مهمة سهلة، في ظل تراجع النشاط الصناعي وتضرر مرافق الإنتاج والتخزين وانتشار كميات كبيرة من الأنقاض في مختلف مناطق القطاع.

ودفع ذلك القائمين على المشروع إلى التعامل مع الركام باعتباره مصدرا لبعض المواد القابلة لإعادة الاستخدام، بدلا من بقائها مخلفات يصعب التخلص منها.

وقال المدير التنفيذي لشركة "الرمال الطيبة" يونس أبو معيلق إن الشركة تعمل بالتعاون مع مؤسسات ومنظمات أممية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، مشيرا إلى أن حجم الدمار الذي طال المنشآت ومواقع التخزين وسلاسل التوريد فرض إعادة ترتيب عدد من العمليات اللوجستية في القطاع.

وتعمل الشركة على تجهيز مساحة تبلغ نحو 30 دونما ضمن منظومة تخزينية ولوجستية، تشمل مخازن مغطاة تزيد مساحتها على 10 دونمات لتخزين المواد الغذائية، إضافة إلى مرافق مخصصة للشاحنات والعربات والخدمات الإدارية.

وأوضح أبو معيلق أن التحدي الأساسي تمثل في تأمين مواد إنشائية تكفي لتنفيذ مشروع متكامل، وليس مجرد الحصول على كميات محدودة منها، الأمر الذي دفع إلى البحث عن مواد يمكن استعادتها من مواقع الدمار وإعادة توظيفها.

من الخرسانة إلى الإنشاء الميكانيكي..

وكان التصور الأول للمشروع يقوم على إنشاء مبان حديدية مغطاة بالصفيح، لكن ارتفاع التكلفة وصعوبة تأمين المواد دفعا الشركة إلى تطوير الفكرة والاعتماد على ما وصفته بـ"الإنشاء الميكانيكي".

وبدلا من انتظار وصول الأسمنت والخرسانة، جرى استخدام الحديد والمواد المتوفرة محليا، إلى جانب الاستفادة من بعض مخلفات المباني المدمرة.

ويرى القائمون على المشروع أن التجربة قد توفر نموذجا يمكن الاستفادة منه خلال مراحل التعافي الأولى، خاصة في المنشآت المؤقتة أو الخدمية التي تحتاج إلى إنجاز سريع في ظل استمرار القيود على إدخال مواد البناء.

لكنهم يؤكدون أن هذا الأسلوب لا يمثل بديلا دائما عن البناء التقليدي، ولا يمكن الاعتماد عليه وحده في إعادة إعمار قطاع غزة على نطاق واسع.

حل اضطراري لا يعوض الإعمار..

ورغم إنجاز المبنى المكون من طابقين خلال نحو أربعة أشهر، فإن القائمين على المشروع يقرون بأن تكلفته تظل مرتفعة بالنسبة للمواطن العادي، وأن استخدام الركام والمواد البديلة جاء استجابة لظروف استثنائية فرضتها الحرب.

وقال أبو معيلق إن الطريقة يمكن أن توفر حلا عمليا وسريعا في حالات الطوارئ، لكنها لا تغني عن إعادة تشغيل المصانع والمنشآت الإنتاجية وعودة تدفق مواد البناء إلى القطاع.

وتواجه عملية إعادة الإعمار في غزة تحديات واسعة، في مقدمتها حجم الدمار الكبير، ونقص مواد البناء، وتضرر الطرق وشبكات الخدمات، إضافة إلى استمرار القيود على دخول المعدات والمواد اللازمة لأعمال البناء.

وبينما تحاول التجربة في دير البلح تحويل جزء من ركام الحرب إلى مادة قابلة للاستخدام، يرى القائمون عليها أن الحل الأوسع لأزمة البناء لا يكمن في الاعتماد على الأنقاض، بل في فتح المعابر، وإدخال الأسمنت والحديد وبقية المواد الأساسية، وإعادة تشغيل المصانع وسلاسل التوريد.

فالمبنى الذي ارتفع من الحديد وبعض ما خلفه الدمار قد يمثل حلا مؤقتا فرضته الحاجة، لكنه لا يلغي حقيقة أن إعادة إعمار غزة تتطلب منظومة متكاملة تنقل القطاع من مرحلة حلول الطوارئ إلى إعادة بناء طويلة الأمد.

تعليقات