كتبت: نغم عايش
بعد عام على الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تعود تفاصيل الضربة إلى الواجهة مع ظهور شهادة من داخل الجيش الإسرائيلي تثير أسئلة جديدة بشأن الرواية التي قدمتها تل أبيب لتبرير الهجوم.
ففي 25 أغسطس/آب 2025، تعرض المجمع الطبي لسلسلة ضربات إسرائيلية أسفرت عن استشهاد 22 فلسطينيا، بينهم صحفيون ومسعفون، بعدما بدأت العملية باستهداف كاميرا مثبتة على سطح مبنى داخل المستشفى.
وقالت إسرائيل آنذاك إن الكاميرا كانت تستخدمها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لمراقبة قواتها، وإن وجودها ارتبط بما وصفه الجيش بـ"سلوك مريب". لكن مع مرور عام، لم تظهر أدلة علنية تثبت ارتباط الكاميرا بالحركة، في حين تكشف شهادة جندي إسرائيلي، اطلعت عليها وكالة أسوشيتد برس، أن الجيش نفسه لم يتمكن من العثور على دليل يثبت تلك الصلة.
وتعيد هذه الشهادة فتح ملف الهجوم من زاوية مختلفة: كيف اتُخذ قرار استهداف الكاميرا؟ ولماذا تحولت العملية من ضربة دقيقة إلى استخدام قذائف دبابات؟ وماذا كان الأساس الذي استند إليه الجيش لتبرير الضربة الثانية التي أوقعت العدد الأكبر من الضحايا؟
كاميرا صحفي لا هدف عسكري..
بدأت الحادثة عندما استهدفت القوات الإسرائيلية كاميرا كانت مثبتة على سطح مجمع ناصر. وقال الجيش الإسرائيلي بعد الهجوم إن لديه معلومات تفيد بأن حركة حماس تستخدمها لمراقبة القوات الإسرائيلية.
لكن وكالة أسوشيتد برس، التي راجعت تفاصيل الواقعة، قالت إن الكاميرا كانت تعود إلى المصور في وكالة رويترز حسام المصري، الذي استشهد في الضربة الأولى.
وكان المصري يستخدم الكاميرا لتغطية الحرب ونقل صور مباشرة من قطاع غزة، في وقت أصبح فيه مجمع ناصر واحدا من المواقع الرئيسية التي تعتمد عليها المؤسسات الإعلامية لإيصال مشاهد الحرب إلى العالم.
كما أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود صحفييها في المستشفى، في حين كانت رويترز وأسوشيتد برس تستخدمان الموقع لبث الصور الحية إلى غرف الأخبار.
أما قطعة القماش البيضاء التي قال الجيش الإسرائيلي إنها كانت من مؤشرات "السلوك المريب" حول الكاميرا، فتقدم الوكالة تفسيرا مختلفا لها؛ إذ أوضحت أن المصور كان يغطي معداته بالقماش لحمايتها من أشعة الشمس والغبار، وهي ممارسة معتادة بين الصحفيين الذين يعملون في ظروف مناخية قاسية.
وبذلك، فإن تفصيلا قدمته إسرائيل بوصفه قرينة على الاستخدام العسكري للكاميرا، يمكن أن يكون في الواقع إجراء مهنيا اعتياديا لحماية معدات التصوير.
شهادة من داخل المؤسسة العسكرية..
الجديد في القضية جاء من شهادة جندي إسرائيلي تحدث إلى أسوشيتد برس بشرط عدم الكشف عن هويته، خشية تعرضه للانتقام.
وقال الجندي، الذي كان مطلعا على النقاشات التي جرت داخل المؤسسة العسكرية بعد الهجوم، إن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من العثور على أي دليل يربط كاميرا حسام المصري بحركة حماس.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أفاد الجندي بأن أيا من الأشخاص الستة الذين قال الجيش بعد الهجوم إنهم مرتبطون بحماس لم يكن هدفا مقصودا للضربة.
وتكتسب هذه الإفادة أهمية خاصة لأنها تأتي من شخص كان مطلعا على ما دار داخل الجيش بشأن الحادثة، وتضع الرواية الإسرائيلية الأولى أمام اختبار جديد.
فإذا لم يكن هناك دليل على أن الكاميرا كانت تستخدم لأغراض عسكرية، وإذا لم يكن الأشخاص الذين قتلوا في الضربة الثانية أهدافا مقصودة، فإن السؤال ينتقل من هوية الضحايا إلى القرار الذي أدى إلى استهداف الموقع أساسا.
من ضربة دقيقة إلى قذائف الدبابات..
تكشف الشهادة أيضا تفاصيل بشأن السلاح الذي استخدم في الهجوم.
وبحسب الجندي ومسؤول عسكري إسرائيلي سابق مطلع على القضية، كان القرار الأول يتجه إلى استخدام سلاح دقيق لتدمير الكاميرا، وقد حاول الجيش تنفيذ ذلك بواسطة طائرة مسيرة.
لكن المحاولة لم تنجح لأسباب لم تتضح، ليوافق قائد الفرقة لاحقا على استخدام وسيلة أخرى.
وهنا برزت واحدة من أكثر نقاط القضية إثارة للأسئلة: التحول من ضربة دقيقة تستهدف الكاميرا إلى استخدام قذائف دبابات شديدة الانفجار.
ولا تزال هوية صاحب القرار النهائي باستخدام قذائف الدبابات غير واضحة، كما لا يعرف ما إذا كان تغيير نوع السلاح قد ترافق مع تقييم جديد للمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المدنيون الموجودون في محيط الهدف.
لكن النتيجة كانت سلسلة من أربع ضربات بالقذائف، وفق المعلومات المتاحة، بعدما كان الهدف المعلن في البداية كاميرا على سطح المستشفى.
الضربة الثانية.. حين عاد المسعفون والصحفيون..
بعد الضربة الأولى، لم يتوقف المشهد عند استهداف الكاميرا ومقتل المصور حسام المصري.
فقد هرع صحفيون ومسعفون وعاملون في المجال الطبي إلى المكان، بعضهم لمساعدة المصابين، وبعضهم الآخر لتوثيق ما جرى.
وكانت الصحفية مريم دقة، التي عملت مع أسوشيتد برس ومؤسسات إعلامية أخرى، من بين من صعدوا إلى الموقع عقب الضربة الأولى.
ثم جاءت الضربة الثانية..
وبحسب المعلومات التي جمعتها أسوشيتد برس، أدت الضربة إلى استشهاد 20 شخصا، معظمهم من الصحفيين والمسعفين والعاملين الذين كانوا في المكان.
وتقول الوكالة، استنادا إلى مقاطع مصورة وشهادات شهود، إن أيا من هؤلاء الأشخاص لم يكن مسلحا.
وهنا يبرز توصيف بالغ الخطورة يتعلق بما يعرف بـ"الضربة المزدوجة"، أي إعادة استهداف الموقع بعد وصول المسعفين والمنقذين إليه.
وفي حال ثبت أن المستجيبين الأوائل استُهدفوا عمدا، فإن الأمر قد يثير شبهة ارتكاب جريمة حرب، نظرا للحماية التي يتمتع بها العاملون في المجال الطبي والإنقاذي والصحفيون أثناء النزاعات المسلحة.
اتهامات تبحث عن تبرير بعد وقوع الضربة..
وتفتح شهادة الجندي أيضا الباب أمام تساؤلات بشأن الطريقة التي تتعامل بها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع الهجمات التي يسقط فيها مدنيون.
فبحسب روايته، يجري في بعض الحالات البحث بعد وقوع الضربة عن صلات محتملة بين الضحايا والفصائل الفلسطينية المسلحة، بما قد يوفر لاحقا أساسا لتبرير العملية.
وتصف منظمة "كسر الصمت"، التي سجلت شهادة الجندي، هذه الممارسة بأنها نوع من "التجريم بأثر رجعي"، حيث يجري البحث عن مبررات بعد مقتل الأشخاص بدلا من إثبات وجود هدف عسكري قبل تنفيذ الضربة.
وقال المدير التنفيذي للمنظمة نداف وايمان إن مثل هذه الممارسات يمكن أن توفر غطاء لتجنب التحقيقات الحقيقية في الضربات التي تقتل مدنيين.
وأكدت أسوشيتد برس أنها تحققت من بعض تفاصيل رواية الجندي، بينما قالت "كسر الصمت" إن شهادته تتطابق مع معلومات حصلت عليها من مصادر أخرى.
عام بلا إجابة ولا محاسبة..
بعد مرور عام على الهجوم، لا تزال الأسئلة الرئيسية بلا إجابات نهائية.
فإسرائيل لم تعلن نتائج نهائية للتحقيق، ولم تعلن محاسبة أي مسؤول على مقتل الصحفيين والمسعفين في مجمع ناصر.
ووجهت أسوشيتد برس أسئلة تفصيلية إلى الجيش الإسرائيلي بشأن شهادة الجندي وتفاصيل العملية، لكنه لم يقدم إجابات محددة، واكتفى بالقول إن الحادث لا يزال "قيد الفحص"، وإن النتائج ستحال إلى المدعي العام العسكري لاتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق جنائي.
ولم يحدد الجيش موعدا لاتخاذ هذا القرار..
وفي الذكرى الأولى للهجوم، جددت وكالتا أسوشيتد برس ورويترز مطالبتهما إسرائيل بتقديم تفسير كامل وشفاف لما حدث، مؤكّدتين استمرار البحث عن إجابات بشأن مقتل صحفييهما.
كما طالبتا بالسماح للصحفيين بدخول قطاع غزة، في ظل اعتماد التغطية من داخل القطاع بصورة كبيرة على الصحفيين الفلسطينيين الذين يواصلون العمل في ظروف شديدة الخطورة.
وبحسب لجنة حماية الصحفيين، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 200 صحفي فلسطيني في قطاع غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبعد عام على قصف مجمع ناصر، لا تبدو القضية مجرد حادثة عسكرية تنتظر استكمال التحقيق، بل اختبارا لسلسلة القرارات التي سبقت الضربة، وللرواية التي قُدمت بعدها لتفسير سقوط صحفيين ومسعفين ومدنيين داخل مستشفى يفترض أن يكون مكانا للحماية لا ساحة للاستهداف.
