كتبت: نغم عايش
يعيش سكان منطقة جبل رأس العين في بلدة قصرة جنوب نابلس ظروفا استثنائية، منذ اسبوع، بعدما حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون ثلاثة منازل، ومنعوا سكانها من الدخول والخروج أو استقبال الزائرين والمساعدات، وسط محاولات لتثبيت بؤرة استيطانية في المنطقة.
وبينما تحاول جهات فلسطينية ودولية كسر الحصار وإيصال المواد الأساسية إلى المحاصرين، يجد السكان أنفسهم أمام مشهد يرون فيه منازلهم من مسافة قريبة، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها.
وتقول رقية حسان، زوجة أحد المحاصرين، إنها حاولت الوصول إلى زوجها يوسف برفقة ابنتيها بعدما علمت بوجود متضامنين أجانب في المنطقة، لكنها لم تتمكن من تجاوز الطوق العسكري.
وتضيف للجزيرة أنها كانت ترى منزلها من بعيد دون أن تستطيع دخوله، في حين اتخذ جنود الاحتلال منه ومنزلين آخرين مواقع عسكرية، وقالت "أراه من بعيد ولا أستطيع الوصول إليه".
مساعدات تحت القيود
وحاول متضامنون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون، أمس الجمعة، الوصول إلى العائلات المحاصرة وإدخال الطعام والشراب إليها، لكن القوات الإسرائيلية منعتهم من الاقتراب.
وبعد اتصالات مع القيادة العسكرية الإسرائيلية، سُمح بإدخال جزء من المساعدات الغذائية، في حين بقي الوصول المباشر إلى السكان المحاصرين ممنوعا.
وتقول رقية إن وجود المتضامنين منحها أملا في الوصول إلى زوجها، لكنها فوجئت بمنعهم أيضا من دخول المنطقة، مؤكدة أنها ستواصل المحاولة للوصول إلى عائلتها رغم المخاطر.
ويضم أحد المنازل المحاصرة أفرادا من عائلة حسان، بينما تستخدم القوات الإسرائيلية منزلين آخرين كثكنات عسكرية، وفق رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي.
ويقول وادي إن البلدية تواصل التنسيق مع مؤسسات إنسانية دولية لإدخال المساعدات، وقد تمكنت من إيصال جزء منها، فيما تسعى إلى توفير احتياجات أخرى للسكان.
وأضاف أن القوات الإسرائيلية تمنع المحاصرين من الخروج أو استقبال أي شخص، بينما تستخدم المنازل التي سيطرت عليها عسكريا، بما في ذلك أجهزة التكييف وأنظمة الطاقة الشمسية ووسائل الإنارة.
متضامنون يحاولون كسر الطوق
ودفعت التطورات مؤسسات حقوقية ومتضامنين محليين ودوليين إلى تنظيم تحرك بهدف الوصول إلى العائلات المحاصرة.
وقال آدم ربيع، مدير شؤون الضفة الغربية في مؤسسة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" الإسرائيلية، إن منظمات حقوقية ومتضامنين شاركوا في فعالية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على سكان قصرة.
ووصف ربيع الوضع بأنه خطير، محذرا مما اعتبره محاولة لدفع السكان إلى مغادرة المنطقة، وداعيا المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية إلى التحرك لمنع تكرار عمليات تهجير شهدتها قرى قريبة.
وانتقد منع القوات الإسرائيلية إدخال الاحتياجات الأساسية إلى السكان في بداية الحصار، قبل السماح لاحقا بإدخال جزء منها، مؤكدا أن المطلوب ليس مجرد إدخال مساعدات محدودة، وإنما إنهاء الحصار المفروض على العائلات.
ورفع المشاركون في التحرك لافتات تطالب بوقف الاعتداءات وتحقيق العدالة، في محاولة للفت الانتباه إلى ما يجري في البلدة.
وقال ناشط إسرائيلي يدعى ناتي إن مشاركتهم تهدف إلى التأكيد على رفض الاحتلال، معتبرا أنه لا يمكن أن يبقى سكان قصرة محاصرين بينما يتحرك المستوطنون في المنطقة.
وأضاف أن المتضامنين سيواصلون التحرك بمشاركة فلسطينيين وإسرائيليين، داعيا إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق تعايش بين الشعبين.
جرافات تغلق الطرق
ولا يقتصر الحصار على المنازل، إذ قال رئيس البلدية إن جرافات عسكرية اقتحمت جبل رأس العين خلال ساعات الليل وأغلقت الطرق المؤدية إلى المنطقة، لمنع السكان والمتضامنين من الوصول إلى المنازل.
وأوضح أن القوات لا تزال تمنع الدخول والخروج من الموقع، كما تحول إجراءاتها دون وصول المساعدات بصورة منتظمة إلى المحاصرين.
وتقع المنطقة ضمن مناطق "ب" بحسب تصنيف اتفاق أوسلو، وهي مناطق تتولى السلطة الفلسطينية فيها الإدارة المدنية، بينما تبقى السيطرة الأمنية بيد إسرائيل.
ويرى مسؤولون محليون أن استمرار الوجود العسكري في المنطقة، بالتزامن مع تحركات المستوطنين، يثير مخاوف من فرض واقع جديد على الأرض.
اعتداءات بدأت منذ أشهر
وتعود جذور التوتر في جبل رأس العين إلى يناير/كانون الثاني الماضي، حين بدأ مستوطنون باقتحام منزل عائلة أبو ريدة، وفقا لرئيس البلدية وشهادات السكان.
وشملت الاعتداءات تحطيم النوافذ والأبواب وسرقة كاميرات المراقبة، في محاولة للاستيلاء على المنزل، قبل أن تمتد التوترات إلى منازل أخرى في المنطقة.
وأقام المستوطنون لاحقا بؤرة قرب المنازل، قبل أن تعمل القوات الإسرائيلية على إزالتها، الأمر الذي أثار غضب المستوطنين ودفع إلى تصاعد المواجهات والاعتداءات.
كما شهدت المنطقة قطعا متكررا لشبكات المياه والكهرباء، في وقت تحاول فيه البلدية إعادة الخدمات وتأمين احتياجات السكان.
وتقول معطيات محلية إن بلدة قصرة فقدت ثمانية فلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما تحيط بها مستوطنات أقيمت على أراض فلسطينية.
وبين محاولات السكان الوصول إلى منازلهم، وتحركات المتضامنين لكسر الطوق، واستمرار الانتشار العسكري الإسرائيلي، يبقى جبل رأس العين مسرحا لتوتر متصاعد يخشى سكان قصرة أن يتحول من حصار مؤقت إلى واقع دائم يفرض تغييرا في المنطقة.
