كتبت: نغم عايش
يثير تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة خلافات بشأن طبيعة مهامها وصلاحياتها، في ظل مساع إسرائيلية لتحديد دورها بما يتوافق مع أهداف تل أبيب الأمنية، وربط مشاركتها بملف نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وقال الباحث في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد قوة محدودة الصلاحيات، تتبنى الرؤية الإسرائيلية وتستخدم للضغط على المقاومة الفلسطينية وانتزاع سلاحها.
وأضاف بشارات أن القوات الدولية كان يفترض أن تضطلع بدور في مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية والفصل بين الوجود الإسرائيلي والفلسطيني في قطاع غزة، لكن نتنياهو -وفق تقديره- يسعى إلى وجود قوة "منزوعة القوة والحضور" في مواجهة إسرائيل.
وأوضح أن الرؤية الإسرائيلية تدفع باتجاه أن تتبنى القوة الدولية المنظور الأمني الإسرائيلي، بحيث تصبح مهمتها حماية المصالح الإسرائيلية والضغط على المقاومة الفلسطينية، بدلا من القيام بدور محايد في مراقبة تنفيذ الاتفاق.
وأشار الباحث إلى أن هذا التوجه تسبب في تراجع دول كانت مستعدة للمشاركة في القوة، بعدما تبين لها أن الدور الذي تريده إسرائيل يتجاوز الصلاحيات التي حددتها التفاهمات المتعلقة بالمرحلة المقبلة من وقف إطلاق النار.
وقال بشارات إن نتنياهو يتعامل أيضا بانتقائية مع الدول المرشحة للمشاركة في القوة، إذ يرفض مشاركة دول مثل قطر وتركيا، في حين يفضل دولا أخرى تتوافق مع طبيعة القوة والمهام التي تريدها إسرائيل.
خلاف على مهام القوة الدولية..
وتأتي الخلافات بشأن قوة الاستقرار ضمن ترتيبات المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل إدارة القطاع وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة الإعمار والتعامل مع سلاح الفصائل الفلسطينية.
وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد إن موقف نتنياهو يعكس تعامله مع خطة وقف إطلاق النار بما يتوافق مع مصالحه، في ظل ما وصفه بغياب ضغط أميركي كاف لإجبار الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ بنود الاتفاق.
وأوضح شديد -للجزيرة- أن الخطة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدأ تنفيذها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وكان يفترض أن تكون قد قطعت مراحل متقدمة، لكن المرحلة الأولى لم تنفذ بالكامل.
وأضاف أن استمرار منع دخول قوة الاستقرار، إلى جانب عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة قطاع غزة، يبقي الوضع القائم، ويمنح إسرائيل مبررا لاستمرار عملياتها العسكرية، خاصة مع إصرارها على إخراج حركة حماس من الحكم والسلطة في القطاع.
وكان مجلس السلام، الذي يرأسه ترامب، قد أعلن في 31 يوليو/تموز التوصل إلى خريطة طريق للمرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن تعلن حركة حماس موافقتها عليها وتطالب بإلزام إسرائيل بتنفيذها.
وتنص الخطة على نقل إدارة قطاع غزة إلى لجنة وطنية تعمل بإشراف دولي، وانتشار قوة استقرار دولية بقيادة جنرال أميركي وبمشاركة قوات من عدة دول، إلى جانب وضع ملف سلاح حركة حماس تحت مسؤولية اللجنة الوطنية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وبدء إعادة إعمار القطاع.
لكن نتنياهو أعلن في 9 أغسطس/آب رفضه لهذه التفاهمات، وقال إن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة يجب أن يسبقه نزع كامل لسلاح حركة حماس.
نتنياهو يربط الانسحاب بنزع السلاح..
ويرى محللون أن الخلاف بشأن قوة الاستقرار يرتبط بصورة مباشرة بالخلاف على ترتيب الخطوات المطلوبة في المرحلة المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بالسلاح والانسحاب الإسرائيلي.
وقال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا إن الموقف الإسرائيلي يمثل، من وجهة النظر الفلسطينية، محاولة للتملص من التفاهمات التي جرى التوصل إليها بشأن المرحلة المقبلة.
وأضاف القرا أن تصريحات نتنياهو بشأن ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح حماس تتعارض، وفق تقديره، مع التفاهمات التي تناولت ملف السلاح وأسندت التعامل معه إلى اللجنة الوطنية المشرفة على إدارة القطاع.
وأشار إلى أن الوسطاء، ومن بينهم مصر وقطر، أصبحوا أكثر وضوحا في التعبير عن الموقف الفلسطيني، في ظل بيانات متكررة تدين الانتهاكات الإسرائيلية وتطالب بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
مطالب بضغط أميركي..
من جهته، قال شديد إن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط واسعة على الحكومة الإسرائيلية، لكنها لم تستخدمها بصورة حاسمة لدفعها إلى تنفيذ جميع بنود الاتفاق.
وأضاف أن هناك تقاطعا بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية بشأن مستقبل قطاع غزة وحركة حماس، الأمر الذي يجعل تغيير الموقف الإسرائيلي بحاجة إلى ضغط أميركي ودولي واضح.
وأكد أن إسرائيل، وفق تقديره، لن تقدم تنازلات كبيرة من دون ضغوط خارجية، مشيرا إلى أن استمرار الخلاف بشأن القوة الدولية وإدارة القطاع يعرقل الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق.
بدوره، قال القرا إن الوسطاء أصبحوا أكثر ارتياحا في التعامل مع الفصائل الفلسطينية، لكنهم ينتظرون انتقال الولايات المتحدة من دور الوساطة السياسية إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لتنفيذ التفاهمات.
وحذر من أن استمرار العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة من شأنه تقويض فرص تثبيت وقف إطلاق النار، وإبقاء الملفات الأساسية للمرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الانسحاب وإدارة القطاع وإعادة الإعمار، موضع خلاف.
وتكشف الخلافات بشأن قوة الاستقرار الدولية عن تباين بين الرؤية المطروحة لدورها كقوة لمراقبة الترتيبات الأمنية ودعم الاستقرار، وبين المطالب الإسرائيلية التي تربط أي تقدم في المرحلة المقبلة بنزع سلاح حركة حماس.
وفي ظل استمرار الخلاف على صلاحيات القوة وتركيبتها والدول المشاركة فيها، يبقى تنفيذ ترتيبات المرحلة التالية من وقف إطلاق النار مرتبطا بموقف إسرائيل والوسطاء والولايات المتحدة من الملفات الأمنية والسياسية العالقة في قطاع غزة.
