دراسات حديثة تعيد رسم العلاقة بين الغذاء وصحة القلب بعيدًا عن المعتقدات الشائعة
لطالما احتل البيض موقعًا متقدمًا في قائمة الأطعمة التي تثير الجدل، ليس بسبب مذاقه أو قيمته الغذائية، بل بسبب احتوائه على كمية ملحوظة من الكوليسترول. وتحتوي البيضة الكبيرة على نحو 186 إلى 200 ملليغرام من الكوليسترول الغذائي، يتركز معظمها في صفار البيض، الأمر الذي دفع أجيالًا من الناس إلى الاعتقاد بأن تناول البيض يوميًا يؤدي حتمًا إلى ارتفاع الكوليسترول في الدم وانسداد الشرايين.
غير أن الصورة التي ترسمها الأدلة العلمية الحديثة أكثر تعقيدًا من هذه القاعدة المبسطة. فالأبحاث لا تنظر إلى البيضة بمعزل عن بقية الوجبة أو النظام الغذائي، كما تميز بوضوح بين الكوليسترول الموجود في الطعام والكوليسترول الذي يقيسه تحليل الدم. وتشير مراجعة شاملة محدثة نُشرت عام 2025 إلى أن قوة الأدلة المتاحة لا تزال منخفضة جدًا، لكنها لا تقدم أساسًا كافيًا لمنع عامة الناس من تناول البيض ضمن نظام غذائي متوازن.
الكوليسترول الغذائي ليس هو كوليسترول الدم
الكوليسترول مادة شمعية يحتاج إليها الجسم لبناء أغشية الخلايا وإنتاج بعض الهرمونات والمواد الضرورية للهضم. وينتج الكبد جزءًا كبيرًا من الكوليسترول الذي يحتاج إليه الجسم، بينما يأتي جزء آخر من الأطعمة الحيوانية، ومنها البيض واللحوم ومنتجات الألبان كاملة الدسم.
لكن تناول الكوليسترول الغذائي لا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مماثل في كوليسترول الدم لدى كل شخص. فعندما يحصل الجسم على كوليسترول من الطعام، قد يقلل الكبد إنتاجه الداخلي بدرجات متفاوتة. وتختلف هذه الاستجابة بين الأفراد؛ فهناك أشخاص يتأثرون بالكوليسترول الغذائي بدرجة أكبر من غيرهم، في حين يظل تأثيره محدودًا لدى آخرين.
وتوضح جمعية القلب الأمريكية أن الدراسات الرصدية لا تدعم عمومًا وجود علاقة واضحة بين الكوليسترول الغذائي وخطر الإصابة بأمراض القلب، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن بعض الدراسات التدخلية وجدت ارتفاعًا في الكوليسترول الكلي أو كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة، المعروف اختصارًا باسم LDL، عند تناول كميات مرتفعة من الكوليسترول الغذائي.
ويعني ذلك أن الرسالة الصحية الأهم ليست منح البيض “شهادة أمان” مطلقة، ولا اعتباره غذاءً ضارًا تلقائيًا، بل وضعه في سياقه الصحيح: ما الأطعمة التي ترافقه؟ كم تبلغ كمية الدهون المشبعة في الوجبة؟ هل يحتوي النظام على ما يكفي من الألياف والخضروات؟ وهل توجد عوامل خطر أخرى مثل السمنة أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم؟
ماذا تقول المراجعات الحديثة عن تناول البيض؟
حللت المراجعة الشاملة المنشورة عام 2025 نتائج 14 تحليلًا تلويًا، بينها عشرة تحليلات لدراسات رصدية وأربعة تحليلات لدراسات تدخلية. ووجد الباحثون تباينًا كبيرًا في النتائج، مع ضعف عام في جودة الأدلة وعدم تجانس واضح بين الدراسات. ولم تظهر أدلة قوية تربط ارتفاع تناول البيض مقارنة بانخفاضه بزيادة خطر أمراض القلب والأوعية الدموية أو الوفاة لأي سبب.
وفي ما يتعلق بمؤشرات الدهون في الدم، أشارت المراجعة إلى ارتباطات ضعيفة بارتفاع LDL والكوليسترول الكلي في بعض المقارنات، لكنها سجلت أيضًا ارتباطًا ضعيفًا بتحسن HDL، وهو البروتين الدهني مرتفع الكثافة الذي يُعرف شائعًا باسم “الكوليسترول الجيد”. ولا تعني هذه النتائج أن البيض يرفع الكوليسترول الضار أو يخفضه بالطريقة نفسها لدى الجميع، بل تعكس محدودية الدراسات وتعدد العوامل المصاحبة لتناول البيض.
ومن أسباب صعوبة الوصول إلى نتيجة قاطعة أن الأشخاص الذين يتناولون البيض غالبًا لا يتناولونه وحده. فقد يقدم البيض مع لحم مقدد أو نقانق أو زبدة أو جبن كامل الدسم، وهي أطعمة قد ترفع كمية الدهون المشبعة والصوديوم في الوجبة. وفي المقابل، قد يُتناول البيض مع الخضروات والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة والبقوليات، ضمن نمط غذائي أقرب إلى النظام المتوسطي أو نظام DASH.
الدهون المشبعة قد تكون العامل الأهم
تدعو التوصيات الغذائية الحديثة إلى التركيز على نوع الدهون وجودة النظام الغذائي بدل اختزال النقاش في كمية الكوليسترول الموجودة في الطعام. وتوضح جمعية القلب الأمريكية أن الدهون المشبعة يمكن أن ترفع مستويات LDL، وأن ارتفاع هذا النوع من الكوليسترول قد يؤدي إلى تراكم اللويحات داخل جدران الشرايين، ما يزيد خطر الجلطات القلبية والسكتات الدماغية.
وتحتوي البيضة على كوليسترول غذائي، لكنها لا تحتوي على كمية كبيرة من الدهون المشبعة مقارنة بالزبدة أو اللحوم الدسمة أو كثير من اللحوم المصنعة. لذلك قد يكون استبدال وجبة غنية بالنقانق والدهون المشبعة ببيض مسلوق مع خضروات خيارًا أفضل لصحة القلب، بينما قد تفقد البيضة هذه الأفضلية إذا قُليت بكميات كبيرة من الزبدة وقدمت مع اللحوم المصنعة والخبز المالح.
ولا ينبغي أن يُفهم ذلك على أن الدهون المشبعة هي العامل الوحيد المؤثر. فالسعرات الحرارية الكلية، والوزن، والنشاط البدني، والألياف، والسكريات المضافة، والتاريخ العائلي، والأدوية، كلها قد تؤثر في صحة القلب ومستويات الدهون في الدم.
هل يرفع البيض ضغط الدم؟
لا تزال العلاقة بين تناول البيض وضغط الدم أقل وضوحًا من العلاقة بين النظام الغذائي العام وضغط الدم. فقد خلصت دراسات مختلفة إلى نتائج متباينة: بعضها لم يجد تأثيرًا مهمًا لتناول البيض على ضغط الدم، بينما ربطت دراسات رصدية أخرى الإفراط في تناوله بارتفاع الخطر، وربطت دراسات ثالثة تناول البيض ضمن أنماط غذائية معينة بخطر أقل مقارنة بالإكثار من اللحوم الحمراء.
وتكمن المشكلة في أن الدراسات الرصدية قد ترصد ارتباطًا بين عاملين، لكنها لا تثبت أن أحدهما سبب الآخر. فالشخص الذي يتناول البيض بكثرة قد يختلف في وزنه ونشاطه البدني واستهلاكه للملح ونوعية طهوه عن الشخص الذي يتناوله نادرًا. ومن ثم، لا يمكن الجزم بأن البيض وحده يرفع الضغط أو يخفضه.
أما نظام DASH، وهو اختصار لعبارة “الأساليب الغذائية لوقف ارتفاع ضغط الدم”، فيركز على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان قليلة الدسم والأسماك والدواجن والبقوليات والمكسرات والزيوت النباتية، مع الحد من الدهون المشبعة والصوديوم والسكريات المضافة.
ويظهر البيض ضمن هذا السياق بوصفه مصدرًا للبروتين يمكن إدراجه في وجبة متوازنة، وليس بوصفه علاجًا لارتفاع ضغط الدم.
وتشير إرشادات المعهد الوطني للقلب والرئة والدم في الولايات المتحدة إلى أن خفض الصوديوم إلى 1500 ملليغرام يوميًا قد يساعد على خفض ضغط الدم أكثر من الاكتفاء بحد 2300 ملليغرام لدى بعض الأشخاص.
لذلك قد يكون الملح المضاف إلى البيض، أو الصلصات المالحة، أو اللحوم المصنعة المصاحبة له، أكثر أهمية في قراءة ضغط الدم من البيضة نفسها.
ماذا عن مرضى السكري وارتفاع الكوليسترول؟
لا توجد كمية واحدة تناسب جميع الناس. فجمعية القلب الأمريكية تشير إلى أن الأشخاص الأصحاء يمكنهم إدراج بيضة كاملة يوميًا ضمن نمط غذائي صحي للقلب، مع اختلاف التوصيات بحسب العمر ومستوى الكوليسترول والعوامل الصحية الأخرى.
لكن هذه الإشارة العامة لا تعني أن كل شخص مصاب بارتفاع LDL أو أمراض القلب يستطيع تناول العدد نفسه من البيض دون متابعة.
وقد يحتاج الأشخاص الذين لديهم ارتفاع واضح في LDL، أو تاريخ مرضي لجلطات القلب، أو مرض السكري، أو فرط كوليسترول الدم العائلي، إلى تقييم فردي يراعي نتائج التحاليل والأدوية وبقية مصادر الدهون المشبعة والكوليسترول. وفي هذه الحالات، قد يقترح الطبيب تقليل صفار البيض، أو الموازنة بين البيض الكامل وبياض البيض، أو إعادة تقييم الوجبة كاملة بدل التركيز على عنصر واحد.
ولا ينبغي للمريض أن يوقف دواء خافضًا للكوليسترول أو يغير جرعته بسبب خبر عن فوائد البيض. فالتحليل المخبري، وتقييم الطبيب، وقياس ضغط الدم بصورة صحيحة، تظل أدوات أكثر موثوقية من الانطباعات العامة أو النصائح المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
كيف يصبح تناول البيض أكثر ملاءمة لصحة القلب؟
يمكن جعل وجبة البيض أكثر توازنًا عبر سلقه أو طهوه بقليل من الزيت النباتي بدل قليه في الزبدة، وتقديمه مع الخضروات والحبوب الكاملة، وإضافة مصدر للألياف مثل الفاصولياء أو الشوفان أو الخبز الكامل. كما يُستحسن تقليل اللحوم المصنعة والجبن المالح والصلصات الغنية بالصوديوم التي ترافق البيض في بعض الوجبات.
ويمكن للأشخاص الذين يرغبون في زيادة البروتين مع تقليل الكوليسترول الغذائي أن يوازنوا بين بيضة كاملة وبياض البيض، لأن الكوليسترول يتركز في الصفار. ومع ذلك، فإن التخلص من الصفار دائمًا قد يحرم الشخص من بعض العناصر الغذائية المهمة، ولذلك ينبغي أن يكون القرار مرتبطًا بالاحتياج الصحي الفردي لا بالخوف العام من البيض.
والخلاصة أن تناول البيض يوميًا لا يبدو ضارًا تلقائيًا لمعظم الأشخاص الأصحاء عندما يأتي ضمن نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة ومتوازن في الصوديوم وغني بالخضروات والحبوب الكاملة. وفي المقابل، لا توجد أدلة كافية للقول إن البيض يحمي القلب أو يعالج ارتفاع الضغط. فالتأثير النهائي يعتمد على مجموع العادات الغذائية ونمط الحياة والحالة الصحية.
وبعيدًا عن المعتقدات المتطرفة، تقدم الأدلة الحالية رسالة أكثر واقعية: يمكن أن يكون البيض جزءًا من غذاء صحي، لكن الكمية وطريقة الطهي والأطعمة المصاحبة والمتابعة الطبية تظل عوامل حاسمة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم كوليسترول مرتفع أو ضغط دم أو سكري أو تاريخ مرضي قلبي.

