كتبت: نغم عايش
القدس المحتلة- قبل نحو شهرين من الانتخابات الإسرائيلية، لا تبدو المعركة الانتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مقتصرة على مواجهة خصومه من خارج معسكر اليمين، بل بات جزء كبير من القلق يأتي من داخل معسكره نفسه، مع ظهور أحزاب وقوائم جديدة قد تعيد توزيع أصوات اليمين، أو تدفع بعضها إلى ما دون نسبة الحسم.
وتكمن حساسية المشهد في أن خسارة حزب صغير لعشرات آلاف الأصوات قد لا تعني فقدان مقاعده فقط، وإنما قد تنعكس على قدرة كتلة نتنياهو بأكملها على بلوغ الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعدا.
ويبرز في قلب هذه الحسابات اسم العميد في الاحتياط عوفر فينتر، الذي يرفض حتى الآن الانضمام إلى أحد الأحزاب القائمة أو الاكتفاء بمقعد مضمون داخلها، ويدفع باتجاه تشكيل إطار سياسي جديد يستقطب ناخبين من اليمين.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن هذا الخيار أثار قلقا في معسكر نتنياهو، إذ نقل عن مسؤول بارز في الكتلة أن فينتر لا يستهدف ناخبين من خارج المعسكر، وإنما يسعى إلى إعادة ترتيب الأصوات داخله، وهو ما قد يضعف الأحزاب اليمينية القائمة.
هاجس "الأصوات المحروقة"..
ويحاول نتنياهو استحضار تجربة انتخابات عام 1992، عندما أدت خسارة أحزاب يمينية صغيرة لأصوات لم تتجاوز نسبة الحسم إلى إضعاف المعسكر، وانتهت الانتخابات بفوز حزب العمل بقيادة إسحاق رابين.
وفي خطاباته الأخيرة، حذر نتنياهو من تكرار ما يسميه "حرق أصوات اليمين"، داعيا الناخبين إلى عدم منح أصواتهم لقوائم صغيرة قد تفشل في دخول الكنيست.
ويحذر نتنياهو كذلك من أن تشتت اليمين قد يفتح الطريق أمام خصومه، وبينهم نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، للوصول إلى الحكم.
ولم يقتصر هذا الخطاب على نتنياهو؛ إذ حذر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بدوره من الانقسامات داخل اليمين، واصفا تعدد القوائم بأنه مغامرة قد تقود إلى تكرار سيناريو انتخابات 1992.
8 قوائم تتنافس على اليمين..
وتشير تقديرات أوردتها القناة 12 إلى إمكانية تنافس نحو 8 أحزاب وقوائم على أصوات المعسكر اليميني، من بينها حزب فينتر المرتقب، وحزب "هأحدوت" الذي يتحرك حوله جلعاد أردان ويولي إدلشتاين، إلى جانب "زيهوت" بزعامة موشيه فيجلين، وحزب "نوعام" بقيادة آفي ماعوز.
كما ظهرت أسماء أخرى تسعى إلى تشكيل أطر سياسية جديدة، بينها أمير أفيفي، الأمر الذي يزيد ازدحام الخريطة السياسية قبل الموعد النهائي لإغلاق القوائم في 8 سبتمبر/أيلول.
لكن فينتر يمثل حالة مختلفة؛ فهو لا يطرح نفسه بوصفه خصما لمعسكر نتنياهو، بل بديلا داخله.
وبحسب مقربين منه، فإن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما أعقبها أظهرت، من وجهة نظره، الحاجة إلى إعادة بناء اليمين عبر حزب جديد يستعيد ناخبين فقدوا ثقتهم بالأحزاب القائمة.
وفي المقابل، أعلن فينتر أنه سيبقى ضمن كتلة نتنياهو بعد الانتخابات، في محاولة لطمأنة الناخبين بأن التصويت له لن يؤدي إلى انتقال أصواتهم إلى المعسكر المنافس.
غير أن استطلاعات الرأي تكشف مفارقة مهمة؛ فصعود حزب فينتر إلى نحو أربعة مقاعد لا يعني بالضرورة توسع معسكر نتنياهو. ففي أحد السيناريوهات، يتراجع حزب الصهيونية الدينية إلى ما دون نسبة الحسم، وينخفض تمثيل الليكود، بينما تتراجع كتلة نتنياهو من 50 إلى 49 مقعدا.
المشكلة تبدأ تحت نسبة الحسم..
وتزداد خطورة التشتت عندما تفشل القوائم الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم، المحددة بـ3.25% من الأصوات الصحيحة.
وفي استطلاع نشرته صحيفة “معاريف”، بقيت عدة قوائم خارج الكنيست، فيما وصلت نسبة الأصوات التي قد تذهب إلى أحزاب لا تتجاوز العتبة الانتخابية إلى نحو 8.3%، أي ما يعادل قرابة عشرة مقاعد.
وتعني هذه الحسابات أن الأصوات التي تحصل عليها قائمة لا تدخل الكنيست لا تتحول إلى مقاعد، بل تختفي من عملية توزيع المقاعد، وهو ما يرفع بصورة غير مباشرة وزن الأحزاب التي تتجاوز نسبة الحسم.
وبحسب تقديرات القناة 12، فإن نسبة مشاركة انتخابية تصل إلى 75% قد تجعل تجاوز العتبة بحاجة إلى نحو 180 ألف صوت، وهو رقم يجعل مصير عشرات آلاف الناخبين حاسما في تحديد شكل الكنيست المقبل.
ولهذا يسعى نتنياهو إلى تقليص عدد القوائم اليمينية قبل إغلاق باب الترشح.
ونقلت "يديعوت أحرونوت" عنه قوله في محادثات مغلقة إنه يريد دخول الانتخابات بأربع قوائم فقط، محذرا من أن زيادة العدد قد تؤدي إلى سقوط إحداها تحت نسبة الحسم، واصفا المسألة بأنها "وجود أو عدم".
أردان وبن غفير.. حسابات تتجاوز نتنياهو..
ولا تقتصر مخاوف نتنياهو على حزب فينتر، إذ يطرح حزب "هأحدوت" بقيادة جلعاد أردان معادلة أكثر تعقيدا.
فالحزب يسعى إلى استقطاب ناخبين يمينيين غير راضين عن نتنياهو، لكنه لا يلتزم في الوقت نفسه بالانضمام إلى حكومة ضيقة برئاسته.
وأشارت تقارير إسرائيلية إلى اتصالات أولية بين أردان وبيني غانتس بشأن إمكانية تشكيل تحالف، وهو ما يثير مخاوف داخل الليكود من أن تتحول أصوات اليمين غير الراضية عن نتنياهو إلى قوة تخدم المعسكر المنافس لاحقا.
وفي الجناح اليميني الأكثر تشددا، يواصل حزب "نوعام" بقيادة آفي ماعوز الاستعداد لخوض الانتخابات بصورة مستقلة، بعد أن كان في انتخابات 2022 ضمن تحالف تقني مع الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت.
أما سموتريتش، فلا يزال مترددا في العودة إلى تحالف انتخابي مع إيتمار بن غفير، في وقت يصر فيه فينتر على مشروعه المستقل.
معركة نتنياهو داخل المعسكر..
وهكذا يجد نتنياهو نفسه أمام معركة مزدوجة؛ فمن جهة يحاول مواجهة خصومه في المعارضة، ومن جهة أخرى يسعى إلى منع تفكك المعسكر الذي يعتمد عليه للبقاء في الحكم.
وتقوم استراتيجيته على الضغط المبكر على الأحزاب الصغيرة لدفعها إلى الانسحاب أو الاندماج، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا أمام من يمكن استيعابهم داخل قوائم اليمين.
لكن هامش المناورة يبدو ضيقا؛ فبعض القوى الجديدة ترفض الذوبان في الأحزاب القائمة، فيما يحتفظ بعضها الآخر بخيارات تحالف قد تضع أصواته خارج كتلة نتنياهو.
وفي ظل هذه الحسابات، لا تشير الاستطلاعات الحالية إلى أن تعدد أحزاب اليمين يؤدي بالضرورة إلى توسيع قوته، بل قد يفضي إلى إعادة توزيع مقاعده أو خسارة بعضها تحت نسبة الحسم.
وبذلك تتحول الانتخابات المقبلة، بالنسبة لنتنياهو، إلى معركة على منع تشتت الأصوات قبل أن تكون معركة على كسب أصوات جديدة؛ فالمعادلة لا تتعلق فقط بعدد الناخبين الذين سيصوتون لليمين، وإنما بعدد الأصوات التي ستنجح فعليا في التحول إلى مقاعد داخل الكنيست.
ومع اقتراب موعد إغلاق القوائم الانتخابية في 8 سبتمبر/أيلول، تتكثف الاتصالات داخل معسكر اليمين لتقليص عدد القوائم ومنع تشتت الأصوات، في وقت قد تحدد فيه قدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوز نسبة الحسم شكل الخريطة البرلمانية المقبلة وحجم كتلة نتنياهو داخل الكنيست.
