آخر الأخبار

شركات أسمدة مصرية تعلن خفض الحكومة لإمدادات الغاز 20% وتؤكد استمرار عملياتها

 

تلقّت القطاعات الصناعية الهامة في مصر إشعارًا حكوميًا مفاجئًا مع بداية شهر نوفمبر الحالي، يقضي بتخفيض إمدادات الغاز الطبيعي الموردة إلى مصانع الأسمدة بنسبة تبلغ نحو 20%. هذا القرار يسلط الضوء مجددًا على التحديات المستمرة التي تواجه منظومة الطاقة المحلية والتوازنات الحساسة التي تسعى الدولة لتطبيقها بين تلبية احتياجات السوق المحلي للكهرباء والصناعة من جهة، ودعم معدلات الإنتاج والتصدير من جهة أخرى.

ومع سريان هذا القرار، سارعت كبرى شركات الأسمدة المدرجة في البورصة المصرية لتوضيح مواقفها التشغيلية والإفصاح عن مدى تأثر خطوط إنتاجها بالتدابير الجديدة. وفي هذا السياق، كشفت شركة الصناعات الكيماوية المصرية "كيما" عبر بيان رسمي أرسلته إلى إدارة البورصة عن تلقيها إخطارًا تنفيذيًا يقضي بتخفيض أحمال الغاز الطبيعي الموجهة لمصانعها بدءًا من ظهر يوم الأحد، الموافق للأول من نوفمبر. وأكدت الشركة أنها بدأت بالفعل في تطبيق القرار والالتزام بالحصص الجديدة المحددة لها. ورغم هذه التطورات، طمأنت "كيما" مساهميها والأسواق بأن مصنع اليوريا التابع لها يستمر في العمل بصورة طبيعية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن أجهزتها الفنية والمالية تعكف حاليًا على دراسة ومراجعة كافّة الآثار المترتبة على هذا الخفض البالغ 20%، متعهدة بالإفصاح الكامل عن النتائج فور الانتهاء من التقييم.

وعلى المنوال نفسه، أفصحت شركة مصر لإنتاج الأسمدة "موبكو"، والتي تُعد أحد الأعمدة الرئيسية لإنتاج الأسمدة الأزوتية في البلاد، عن طبيعة سير العمل داخل مجمعاتها الصناعية. وأكدت الشركة أن عملياتها التشغيلية لم تتوقف، وأن إدارة المصانع تعمل على تكيف معدلات الإنتاج والتشغيل اليومي وتعديلها بشكل مرن ليتناسب تمامًا مع كميات الغاز الطبيعي المتاحة حاليًا. كما شددت "موبكو" على حرصها التام على الالتزام بشفافية الإفصاح عن أي مستجدات جوهرية قد تطرأ على طاقاتها الإنتاجية في حينه، وفقًا للقواعد واللوائح التنظيمية المعمول بها في السوق المالي.

ولم تكن الصورة قاتمة أو موحدة على امتداد القطاع بأكمله؛ إذ ظهر تباين واضح في آليات التعامل مع المصانع الموجهة للتصدير. فقد كشف مصدر مسؤول بإحدى الشركات المصرية المصدرة للأسواق العالمية أن شركته لم تسجل أي تراجع في كميات الغاز الطبيعي الموردة إليها، وأن عملياتها التشغيلية تتواصل بكامل طاقتها الإنتاجية دون أي تغيير. وأوضح المصدر أن الشركة تحصل على كامل احتياجاتها من الغاز بالتنسيق المباشر واليومي مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، مشيرًا إلى أن هذا الاستثناء ينبع من حرص الدولة على استمرارية التدفقات الدولارية والوفاء بالمستهدفات التصديرية المحددة، إلى جانب الالتزام التام بالعقود والاتفاقيات المبرمة سابقًا مع المشترين والشركاء الدوليين في الأسواق الخارجية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية بالغة عند النظر إلى حجم الاستهلاك الفعلي لهذا القطاع الحيوي؛ إذ تُقدّر البيانات الصادرة عن مصادر مطلعّة إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي الموجهة يوميًا إلى مصانع الأسمدة والبتروكيماويات في مصر بـ 700 إلى 800 مليون قدم مكعبة. وتعتبر هذه الكميات الضخمة شريان الحياة الرئيسي لعمليات التصنيع التي تعتمد اعتمدًا كليًا على الغاز، ليس فقط كمصدر للطاقة والوقود اللازم للتشغيل، بل كمادة خام أساسية ومدخل رئيسي تدخل في العمليات الكيميائية لإنتاج اليوريا والأمونيا ومختلف أنواع الأسمدة الكيماوية.

وفي ظل هذه الضغوط، تواصل وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية التحرك على عدة محاور استراتيجية لتعزيز إنتاج الغاز الطبيعي محليًا والحد من التراجع الطبيعي الذي تشهده الحقول القديمة. وتتركز الخطة الحكومية الراهنة على تسريع برامج تنمية الحقول الاكتشافية الجديدة، وإدخالها خدمة الإنتاج عبر ربطها سريعة بالشبكة القومية للغاز. بالتوازي مع ذلك، تعمل الوزارة على تقديم حزمة جديدة من الحوافز الاستثمارية للشركاء الأجانب والشركات العالمية العاملة في قطاع التنقيب، بهدف تشجيعهم على ضخ المزيد من الاستثمارات وتكثيف أنشطة البحث والاستكشاف والتنمية في المناطق الامتيازية البحرية والبرية.

وتهدف الحكومة من خلال هذه الحزمة من الإجراءات والتسهيلات إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو السيطرة على معدلات الهبوط الطبيعي في إنتاجية الآبار القائمة، وزيادة حصة الإنتاج المحلي الموجه لتلبية الاحتياجات المتزايدة للقطاعات الاقتصادية المختلفة، وعلى رأسها محطات توليد الكهرباء والقطاعات الصناعية الثقيلة. أما الهدف الثاني فيتمثل في تخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة من خلال تقليص الاعتماد التدريجي على شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة من الخارج، وهو ما يسهم في تقليل الضغط على العملة الأجنبية وتوفير موارد مالية يمكن إدارتها لدعم النمو الاقتصادي وتأمين احتياجات السوق المحلي على المدى الطويل.

تعليقات