10 أكتوبر 2026
سجّلت شركة «بيبسيكو» إيرادات أعلى من توقعات المحللين خلال الربع الثالث من عام 2026، مستفيدةً على نحو خاص من متانة أنشطتها الدولية، في وقت ظل فيه الأداء داخل أميركا الشمالية أقل قوة مما تأمله الإدارة. وتكشف النتائج عن صورة مزدوجة: شركة عالمية واسعة الانتشار قادرة على تحقيق نمو في المبيعات، لكنها تواجه في سوقها المحلية تحديات تتصل بالطلب وحركة الفئات المختلفة من المنتجات، وبالقدرة على استعادة زخمها من دون تحميل المستهلكين أعباء سعرية إضافية.
وبحسب بيان النتائج الذي نشرته الشركة في 8 أكتوبر، بلغت الإيرادات الصافية نحو 25.274 مليار دولار في الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر، بزيادة 5.6 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وجاء الرقم أعلى من متوسط التوقعات التي نقلتها تغطية «سي إن بي سي» عن محللي «إل إس إي جي»، والبالغة نحو 24.96 مليار دولار. أما التوسع في الإيرادات العضوية، التي تستبعد أثر الاستحواذات والتخارجات وتقلبات أسعار الصرف، فبلغ 3.1 في المئة. وهذا التفريق مهم؛ فالنمو في الإيرادات المعلنة لا ينتج بالضرورة من زيادة المبيعات الأساسية وحدها، بل قد يتأثر كذلك بتغيرات العملة أو صفقات شراء وبيع الأنشطة.
نمو عالمي لا يخفي تفاوت الأسواق
عزت الشركة جانباً من الأداء إلى استمرار قوة أعمالها خارج الولايات المتحدة وكندا. ووفق ما نقلته «سي إن بي سي» عن تصريحات الإدارة، مثّل النشاط الدولي 41 في المئة من صافي إيرادات بيبسيكو منذ بداية العام. كما أشار تقرير «سكاي نيوز عربية» إلى أن مبيعات المقرمشات العالمية ارتفعت بنحو 4 في المئة، وهو أقوى معدل نمو منذ عام 2021، مع مساهمة الطلب في أسواق دولية رئيسية مثل الصين والبرازيل. وذكر التقرير أن منتجات «ليز» المرتبطة بأجواء كأس العالم حظيت بطلب قوي؛ وهو مثال على الكيفية التي يمكن أن تدعم بها المناسبات الكبرى وحملات التسويق حركة بعض العلامات والفئات.
وتساعد جغرافية الشركة المتنوعة على موازنة ضعف سوق بأداء أفضل في أسواق أخرى. فانتشارها في الأغذية والمشروبات، وعملها من خلال أنشطة مباشرة وشراكات وتراخيص في مناطق مختلفة، يمنحها مصادر متعددة للإيرادات. لكن هذا التنوع لا يعني أن الأسواق تتحرك بالطريقة نفسها، أو أن تحسن المؤشرات الإجمالية يترجم تلقائياً إلى طلب قوي في كل بلد وكل فئة. ويدل تفاوت النتائج بين المناطق على أن متابعة نمو المجموعة وحده لا تكفي لفهم اتجاهات المستهلكين.
أميركا الشمالية: موضع الضغط واختبار التعافي
في المقابل، جاءت نتائج أميركا الشمالية دون المستوى الذي تستهدفه الإدارة، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي رامون لاغوارتا التي أوردتها «سي إن بي سي». وسجل نشاط الأغذية المريحة في المنطقة تحسناً متتابعاً في بعض الاتجاهات، لكن الأداء لم يكن متجانساً بين خطوط المنتجات والأسواق. وذكر تقرير «سكاي نيوز عربية» أن حجم مبيعات المشروبات في المنطقة تراجع 2 في المئة، بينما ظلت مبيعات مقرمشات «فريتو-لاي» مستقرة تقريباً مقارنة بالربع المناظر من العام الماضي. كما أشار التقرير إلى أن نمو مبيعات المقرمشات المالحة في الولايات المتحدة قابله تراجع في كندا.
هذه التفاصيل تبرز الفرق بين الإيرادات والحجم. فالإيرادات تقيس قيمة المبيعات بالدولار، وقد ترتفع بسبب الأسعار أو مزيج المنتجات أو أسعار الصرف أو عمليات الاستحواذ، بينما يعكس الحجم عدد الوحدات أو كمية المنتجات المباعة، وهو مؤشر أقرب إلى حركة الطلب الفعلية. لذلك لا يعني ارتفاع الإيرادات الإجمالية 5.6 في المئة أن جميع المنتجات باعت كميات أكبر، أو أن المستهلكين في كل الأسواق زادوا مشترياتهم. وتشير أرقام الربع إلى أن بيبسيكو استطاعت تنمية الإيرادات على مستوى المجموعة، لكن بعض خطوط أعمالها في أميركا الشمالية لا تزال بحاجة إلى معالجة ضعف الحركة.
وتتداخل عوامل عدة في هذه الصورة. فالمستهلكون الأكثر حساسية للأسعار قد يقلصون شراء الوجبات الخفيفة أو يتحولون إلى بدائل أقل تكلفة، فيما تتنافس العلامات التجارية على جذبهم من خلال العروض وتغيير أحجام العبوات وتطوير منتجات جديدة. وفي الوقت نفسه، تواجه شركات الأغذية والمشروبات ضغوطاً مرتبطة بتكاليف المدخلات والتشغيل والتسويق. وكل محاولة لرفع الأسعار أو تمرير التكاليف إلى المستهلك تحمل مخاطرة أن تؤثر سلباً في الكميات المباعة، خصوصاً في الفئات التي يستطيع المستهلك الاستغناء عنها أو استبدالها بسهولة.
التوقعات: نمو في المبيعات مع خفض مستهدف الأرباح
لم تقتصر الرسالة المالية للربع على تجاوز توقعات الإيرادات. فقد أوردت «سي إن بي سي» أن الشركة خفّضت توقعها لنمو ربح السهم الأساسي لعام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 2.5 و3.5 في المئة، بعد أن كان التوقع السابق ضمن نطاق 5 إلى 7 في المئة. وفي المقابل، أصبحت تتوقع نمواً صافياً في الإيرادات يقارب 6 في المئة، أي عند الحد الأعلى للنطاق السابق البالغ 4 إلى 6 في المئة. وهنا يبرز فارق دلالي بين نمو الإيرادات ونمو الأرباح: فقد تبيع الشركة أكثر من حيث القيمة، لكن ارتفاع التكاليف أو النفقات أو تغير مزيج المنتجات قد يحد من مقدار ما يصل في النهاية إلى الأرباح.
وفي بيانها الرسمي، قالت الإدارة إن أولوياتها تشمل البناء على قوة الأعمال الدولية، والعمل على تحسين الأداء في أميركا الشمالية عبر الاستثمار في الابتكار، وتعزيز بناء العلامات التجارية، وتحسين التنفيذ في قنوات البيع. كما أشارت إلى تحديد إجراءات إضافية لخفض التكاليف الهيكلية خلال الأشهر المقبلة، بهدف توفير موارد يمكن توجيهها إلى الاستثمار والنمو والتعامل مع تضخم تكاليف المدخلات. ويعكس الجمع بين خفض التكاليف وزيادة الاستثمار محاولة للموازنة بين الانضباط المالي والحاجة إلى تجديد المنتجات وتحسين قدرتها على المنافسة.
ما الذي تعنيه النتائج للمستهلك والسوق؟
من منظور المستهلك، لا تكفي النتائج الفصلية وحدها للتنبؤ بأسعار المنتجات أو سلوك الشركة في الأشهر المقبلة. فقد يؤدي ارتفاع تكاليف المواد والطاقة والنقل إلى ضغوط على الأسعار، لكن قرارات التسعير تعتمد أيضاً على المنافسة، واستجابة المتاجر، وحساسية الطلب، وخيارات الشركة المتعلقة بالعروض والعبوات والتشكيلات. لذلك ستكون متابعة الأسعار والحجم والمبيعات العضوية في الفصول المقبلة أكثر دلالة من الاكتفاء بإجمالي الإيرادات.
أما للمستثمرين ومراقبي القطاع، فالسؤال الأساسي هو مدى قدرة بيبسيكو على تحويل نمو المبيعات إلى أرباح مستدامة، بالتوازي مع إعادة تنشيط السوق الأميركية الشمالية. وتستحق الأرقام الدولية الاهتمام، لكنها لا تلغي أهمية السوق المحلية الكبيرة في تشكيل هوامش الربح وتوقعات المستثمرين. كما أن خفض توجيه الأرباح رغم تجاوز تقديرات الربع يوضح أن النتائج الفصلية القوية نسبياً لا تزيل تلقائياً المخاوف المتعلقة بالعام الكامل.
في المحصلة، قدم الربع الثالث دليلاً على مرونة بيبسيكو وقدرتها على الاستفادة من انتشارها العالمي، لكنه كشف أيضاً أن النمو ليس متساوياً بين المناطق، وأن تحدي الطلب في أميركا الشمالية ما زال قائماً. وستتوقف المرحلة التالية على قدرة الشركة على استعادة نمو الأحجام، وابتكار منتجات تلائم تفضيلات المستهلكين وميزانياتهم، وإدارة التكاليف من دون إضعاف جاذبية العلامات التجارية. وبذلك فإن تجاوز توقعات الإيرادات يمثل نقطة إيجابية، لكنه ليس وحده حكماً نهائياً على قوة الأداء؛ فالمعيار الأهم سيكون استمرار التحسن وتحوله إلى نمو صحي في الإيرادات والأرباح معاً.
المصادر
3.سكاي نيوز عربية — «بيبسيكو» تسجل أداء أفضل من المتوقع في الربع الثالث، 9 أكتوبر 2026.

