تتجه شركات فندقية عالمية وإقليمية إلى دراسة فرص الدخول إلى السوق السورية أو توسيع حضورها فيها، مستندة إلى ما تملكه البلاد من مدن تاريخية ومواقع أثرية وساحل متوسطي، وإلى مؤشرات على زيادة حركة الزوار. غير أن هذا الاهتمام لا يعني أن التعافي السياحي أصبح مضمونًا؛ فالاستثمار في الفنادق يتطلب بيئة آمنة، وخدمات مستقرة، وبنية تحتية قادرة على استيعاب المسافرين، وهي شروط لا تزال تواجه تحديات كبيرة بعد سنوات الحرب والعزلة.
اهتمام فندقي يتقدم بحذر
بحسب تقرير لوكالة رويترز، وصلت مجموعة «أكور» الفرنسية إلى مرحلة متقدمة من المفاوضات بشأن مشروعين محتملين في سوريا. وتستكشف «ويندام للفنادق والمنتجعات» فرصًا في دمشق والوجهات الساحلية، فيما ترى «ماينور للفنادق» إمكان تحويل بعض البيوت والمباني التاريخية في دمشق القديمة إلى فنادق بوتيك صغيرة، إلى جانب إنشاء مشروعات جديدة.
وتختلف هذه النماذج في الحجم والأثر. فالفنادق الصغيرة في الأحياء التراثية قد تقرب الزائر من تاريخ المدينة، لكنها تحتاج إلى ترميم يحفظ المباني ويلائمها للإقامة الحديثة. أما الفنادق الجديدة فتتطلب أراضي وخدمات أساسية وتخطيطًا يراعي السكان والبيئة.
ويتجاوز الاهتمام الفنادق إلى تطوير وجهات عمرانية وسياحية. فقد وقّعت شركة «إيغل هيلز» الإماراتية اتفاقًا إطاريًا لمشروعين، أحدهما في دمشق على مساحة تقارب عشرة ملايين متر مربع، والآخر في اللاذقية على مساحة 4.3 ملايين متر مربع. وقال مؤسس الشركة محمد العبار إن القيمة الإجمالية للمشروعين قد تبلغ مليارات الدولارات، مشيرًا إلى إمكان مشاركة «إعمار العقارية» فيهما إلى جانب مشروع منفصل في دمشق. كما أعلنت «أرادَ» خططًا لدخول السوق بمشروع قُدرت كلفته بسبعة مليارات دولار.
ولا تعني الاتفاقات أن المشروعات أُنجزت أو أن تمويلها اكتمل؛ فالتنفيذ يتطلب تفاوضًا وتراخيص وتمويلًا وبناءً، ويتأثر بالأوضاع الأمنية والاقتصادية. لذا تعكس الأرقام المعلنة طموحًا استثماريًا، لا ضمانًا للتنفيذ أو العائد.
ماذا تقول أرقام الزوار؟
أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، نقلًا عن بيانات هيئة الإحصاء في وزارة السياحة، بأن عدد الزوار بلغ 3.52 ملايين في النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 1.67 مليون خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة 111 بالمئة.
إلا أن كلمة «زوار» هنا تشمل فئات مختلفة، ولا تعني أن العدد كله يخص السياح الأجانب.
فقد بلغ عدد السوريين المقيمين في الخارج الذين زاروا البلاد 2.13 مليون، فيما وصل عدد الزوار العرب إلى نحو 664 ألفًا، وعدد القادمين من دول أخرى إلى نحو 719 ألفًا، وفق الأرقام المنشورة. وبذلك شكّل المغتربون السوريون الحصة الأكبر من الإجمالي، وهو ما يوضح أن الروابط العائلية والعودة لزيارة الوطن تسهم بقوة في تحريك السفر. وفي الوقت نفسه، أظهرت البيانات نموًا في الزوار العرب والأجانب، وهي إشارة إلى اتساع الاهتمام، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على تعافي السياحة الدولية أو استدامته.
وقد ترفع الزيادة الطلب على الإقامة والنقل والمطاعم، لكن جدوى الفنادق تتوقف أيضًا على مدة الإقامة والإنفاق وتوزيع الزوار بين المناطق والمواسم. فالعدد الإجمالي وحده لا يضمن إشغالًا مستقرًا.
الطيران بوابة العودة
يُعد تحسن الربط الجوي عاملًا مساعدًا في جذب الزوار ورجال الأعمال. وأشار تقرير رويترز إلى تشغيل رحلات من مراكز خليجية، بينها رحلات للخطوط الجوية القطرية وفلاي دبي، وإلى رفع الاتحاد للطيران رحلاتها إلى دمشق من أربع إلى سبع أسبوعيًا، بما يجعل الخدمة يومية. وذكرت الشركة أن التوسع الإضافي سيعتمد على الطلب والدعم المتاح في السوق.
يحسن الربط الجوي سهولة الوصول، لكنه لا يحل وحده مشكلات الخدمات والتنقل والدفع. كما أن التحذيرات الحكومية والمخاوف الأمنية قد تؤثر في قرارات المسافرين وشركات التأمين.
تحديات تحدد سرعة التعافي
تحتاج منشآت فندقية قائمة إلى الصيانة والتحديث، فيما تتطلب المشروعات الجديدة استثمارات طويلة الأجل. وتظل الكهرباء والمياه والصرف والطرق والاتصالات ضرورية لتقديم خدمة موثوقة.
وتشير مسألة المدفوعات إلى فجوة أخرى. فقد أعلنت شركتا «فيزا» و«ماستركارد» بدء العمل في سوريا، لكن رويترز أفادت بأن استخدام المدفوعات الإلكترونية ما زال محدودًا، ومتاحًا في مواقع معينة وبطاقات تصدرها مصارف خارجية.
وقد يضطر الزوار لذلك إلى الاعتماد على النقد أو ترتيبات بديلة، الأمر الذي قد يضيف صعوبات إلى السفر والاستثمار التجاري.
أما حجم إعادة الإعمار فيضع أي توسع سياحي ضمن سياق وطني أوسع. ويقدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المتضررة بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير مركزي محافظ يبلغ 216 مليارًا. ويتضمن التقدير 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليارًا للمنشآت غير السكنية، و82 مليارًا للبنية التحتية.
ولا تمثل هذه الأرقام ميزانية مخصصة للسياحة؛ بل توضح حجم الاحتياجات العامة التي تتنافس عليها قطاعات متعددة، وتؤثر في قدرة البلاد على ترميم الطرق والخدمات والمواقع التاريخية التي يعتمد عليها النشاط السياحي.
وتثير المشروعات الكبرى أسئلة عن حماية التراث ومشاركة السكان وتوزيع المنافع. وأشار تقرير رويترز إلى احتجاج مجتمعات محلية على بعض المشروعات.
ويتطلب النجاح تخطيطًا شفافًا يحفظ المواقع التاريخية ولا يقصي الأنشطة المحلية.
في المحصلة، تعكس المفاوضات الفندقية وخطط التطوير وارتفاع أعداد الزوار اهتمامًا متجددًا بإمكانات سوريا السياحية. لكن تحويل هذا الاهتمام إلى قطاع قادر على المنافسة يتطلب أكثر من الفنادق والاتفاقات: استقرارًا وأمانًا، وبنية تحتية فعالة، وخدمات موثوقة، وحماية للتراث، وشراكة مع المجتمعات المحلية. وستكون قدرة هذه العناصر على التقدم معًا هي المعيار الأهم لقياس ما إذا كانت المؤشرات الحالية بداية تعافٍ مستدام، أم مجرد موجة اهتمام أولية.

