مخاوف دولية وإطار أخلاقي مفقود
أطلقت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، تحذيراً شديد اللهجة بشأن المستقبل السريع والمفاجئ لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن المخاطر والأضرار المحتملة التي قد تنجم عن هذه التكنولوجيا المتقدمة قد تتفوق بشكل ملحوظ على المنافع والفرص الاقتصادية الاستثنائية التي تعد بها، وذلك في حال استمرار تطورها دون إقرار ضوابط تنظيمية حازمة وأطر عمل واضحة.
وأكدت غورغيفا، خلال تصريحات لها في بانكوك، أن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام حاجة ملحة ومطالبة ماسة لتأسيس قاعدة وقاعدية أخلاقية صلبة لضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي وتوجيهه. وأبدت مديرة صندوق النقد الدولي تشككها وقلقها صراحةً بشأن مدى جاهزية العالم في الوقت الراهن، معربة عن عدم يقينها من أن المجتمعات قد بلغت بالفعل المستوى المطلوب من الإدراك أو الجاهزية للتعامل مع هذا التحدي التكنولوجي غير المسبوق.
بيل غيتس: الذكاء الاصطناعي "أخطر تقنية ابتكرها البشر"
وفي سياق متصل يعكس التخوفات المتزايدة بين قادة الفكر والتكنولوجيا، ضم الملياردير والمؤسس المشارك لشركة "مايكروسوفت"، بيل غيتس، صوته إلى النقاش العالمي المحتدم حول تنظيم هذه التقنية، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي يتملك المقومات والقدرات التي قد تجعل منه "أخطر تقنية اخترعها البشر على مر التاريخ".
وخلال مقابلة تلفزيونية أردف بها عبر شبكة "CNN"، شدد غيتس على أن التسارع الفائق والنمو المتضاعف لقدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي يستدعي فرض أطر رقابية أكثر قوة وصارمة، مشيراً إلى أنه لا يمكن التعامل مع هذه الأنظمة بطريقة عشوائية أو تساهلية. واستشهد مؤسس مايكروسوفت بالعديد من القطاعات الحيوية التقليدية التي تخضع منذ عقود طويلة لإشراف حكومي حازم ومعايير سلامة دقيقة، مثل قطاع الطيران المدني وصناعة الأدوية والمستحضرات الطبية، نظراً لمساسها المباشر بحياة الإنسان وسلامته، في حين أن قواعد الرقابة والإشراف المؤسسي على تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تزال حتى اللحظة في طور التشكيل الجنيني والمراحل الأولى البدائية.
مكامن الخطر: التهديدات السيبرانية والبيولوجية
وفكّك بيل غيتس أبعاد الخطر المتوقع، موضحاً أن التهديد الأكبر والأكثر إلقاءً بظلاله لا يكمن في ذات التكنولوجيا ككيان برمجيات مجرد، بل يتبلور في إمكانية استغلالها وتوظيفها السلبي من قبل أطراف وجهات خبيثة تسعى إلى إلحاق الضرر بالمجتمعات والدول.
وأوضح أن الأدوات المتقدمة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد تمنح القراصنة والمهاجمين الإلكترونيين قوة غير مسبوقة لتنفيذ هجمات سيبرانية معقدة للغاية، وشن عمليات ابتزاز واختراق عالية الدقة تستهدف المؤسسات والشركات الكبرى، فضلاً عن تهديد البنى التحتية الرقمية الحيوية للبلدان. بالإضافة إلى ذلك، حذر غيتس من خطورة إتاحة هذه النماذج لإمكانية الوصول السهل إلى معلومات علمية دقيقة ومعقدة، يمكن إساءة استخدامها في تصنيع تهديدات حيوية أو استغلالها في مجالات sensitive كعلوم الأحياء والتقنيات البيولوجية.
وأشار في هذا الصدد إلى أن إزالة قيود السلامة والضوابط الوقائية المُدمجة في هذه النماذج الذكية أو محاولة التحايل عليها قد تضاعف المخاطر بصورة كارثية، لا سيما إذا أصبحت النماذج الأكثر كفاءة وتطوراً في متناول أيدي أفراد أو منظمات تسعى للشر والفساد.
تداعيات عميقة على سوق العمل والاقتصاد العالمي
ولم تتوقف تحذيرات غيتس عند الجوانب الأمنية والسيبرانية فحسب، بل امتدت لتشمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل. إذ لفت إلى أن واحدًا من أكبر التحديات الهيكلية التي ستواجه البشرية يتمثل في التأثير المباشر والعميق للذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمي.
فمع تسارع قدرة الأنظمة الذكية على تنفيذ وإنجاز المهام المعقدة التي يؤديها البشر حالياً بسرعة ودقة أعلى، أصبح من المحتمل جداً أن تتسبب هذه الأتمتة الشاملة في اندثار واختفاء ملايين الوظائف التقليدية، وإعادة تشكيل قطاعات اقتصادية بأكملها. ولمواجهة هذه الهزة الاقتصادية المتوقعة، جدد غيتس دعوته السابقة بدراسة إمكانية فرض ضرائب مباشرة على أنشطة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية، بهدف تزويد الحكومات بالموارد المالية اللازمة لإدارة التبعات الاجتماعية والاقتصادية للتحول التكنولوجي وتأهيل العمالة المتضررة.
ضرورة وجود رقابة مستقلة والابتعاد عن التهويل
وفي ختام حديثه، أكد غيتس أنه لا ينبغي إناطة قرار تحديد مستويات المخاطر المقبولة بالشركات التكنولوجية المطورة وحدها، بل يجب إشراك الحكومات، والباحثين، والهيئات الأكاديمية والخبراء المستقلين في تقييم هذه الأنظمة واختبارها. واقترح وضع ميكانيزمات رقابية تشمل اختبارات أمان مستقلة قبل طرح النماذج في الأسواق، ومراجعة المخاطر الكامنة، ووضع معايير شفافة للمساءلة القانونية.
ومع ذلك، حرص غيتس على إبعاد السيناريوهات الهوليودية المتطرفة التي تفترض زوال البشرية المحتوم على يد الآلات، مؤكداً أن المخاطر المباشرة تتصل بسوء الاستخدام البشري لا بتمرد التكنولوجيا بذاتها. وشبّه المعركة الراهنة بضرورة إيجاد ميزان دقيق يضمن حماية المجتمع وأمنه دون حرمان البشرية من الفوائد الهائلة للذكاء الاصطناعي في مجالات التسريع العلمي، والرعاية الصحية، والإنتاجية العامة.
المصدر: وكالة رويترز (بانكوك).
