آخر الأخبار

السلطان الذي حكم نصف الأرض

بقلم: عبير الحويطي

السلطان الذي حكم نصف الأرض

وصيته قبل الموت.. حين أدرك الحقيقة

يُحكى أن سلطانًا أوصى قبل موته بثلاث وصايا، فقال:

الوصية الأولى: ألا يحمل نعشي عند الدفن إلا أطبائي، ولا أحد غيرهم.

الوصية الثانية: أن يُنثر على جانبي الطريق، من مكان وفاتي حتى المقبرة، ما جمعته طوال حياتي من قطع الذهب والفضة والأحجار الكريمة.

الوصية الثالثة والأخيرة: حين ترفعونني على النعش، أخرجوا يديَّ من الكفن، واجعلوهما معلقتين إلى الخارج، وهما مفتوحتان.

وحين فرغ السلطان من وصيته، قام قائد حرسه بتقبيل يديه وضمهما إلى صدره، وقال:

«أيها السلطان، وصاياك نافذة، ولكن هلّا أخبرتني، يا سيدي، ما المغزى من وراء هذه الوصايا الثلاث؟».

أخذ السلطان نفسًا عميقًا، وأجاب بصوت ضعيف لا يكاد يُسمع:

«أريد أن أعطي العالم درسًا لم أدرك حقيقته إلا الآن».

أما الوصية الأولى، فأردت أن يعرف الناس أن الموت إذا حضر، فلن يستطيع أحد رده، حتى الأطباء الذين نهرع إليهم كلما أصابنا مكروه. وأردت أن يدركوا أن الصحة ثروة لا تُقدَّر بثمن، وأن الحفاظ عليها نعمة تستحق الشكر والتقدير.

وأما الوصية الثانية، فأردت أن يعلم الناس أن كل الوقت الذي قضيناه في جمع المال قد يصبح هباءً منثورًا، وأننا لن نأخذ معنا إلى قبورنا شيئًا مما جمعناه، ولا حتى فتات الذهب.

وأما الوصية الثالثة، فأردت أن يعلم الناس أننا قدمنا إلى هذه الدنيا فارغي الأيدي، وسنخرج منها فارغي الأيدي، فلا المال سيبقى معنا، ولا المناصب سترافقنا، ولا مظاهر القوة والسلطان ستنفعنا بعد الرحيل.

العبرة من الحكاية

إن هذه الحكاية تذكرنا بحقيقة الحياة الدنيا، وتدعونا إلى إعادة النظر في أولوياتنا، وفهم الغاية من وجودنا، والتوازن بين السعي إلى الرزق وعمارة الأرض، وبين التمسك بالقيم الإنسانية والروحية.

ومن هنا، تبرز أهمية فهم مقاصد الشريعة الإسلامية فهمًا صحيحًا، والرجوع إلى السنة النبوية الشريفة، مع إدراك مقاصد النصوص ودلالاتها، ومراعاة ظروف الزمان والمكان، بعيدًا عن التأويل الخاطئ أو الفهم المجتزأ.

وهذا يؤكد حاجتنا إلى قراءات واعية ومتجددة، تستوعب واقعنا الراهن ومتغيراته، وتساعدنا على التعامل مع تحديات الحياة بروح من الحكمة والمسؤولية.

إننا مطالبون بأن نعمل، ونبني، ونعمر هذا الكون، وأن نسعى إلى تحقيق أحلامنا وأهدافنا، مع إدراك أن الحياة لا تدوم لأحد، وأننا سنغادرها في أي وقت بإرادة الله سبحانه وتعالى، فهذه سنة الله في خلقه.

كما ينبغي لنا أن نحافظ على حقوقنا الإنسانية، ونرعى مسؤولياتنا الروحية والأخلاقية، وأن نظل على صلة دائمة بالله في أقوالنا وأفعالنا، وألا تغرنا زينة الدنيا أو تدفعنا الرغبة في جمع المال والتمسك بالمناصب إلى نسيان حقيقتنا ومصيرنا.

فالدنيا دار عمل، والآخرة دار حساب، وما يبقى للإنسان حقًا ليس ما جمعه من أموال، وإنما ما قدمه من خير، وما تركه من أثر طيب، وما غرسه في قلوب الناس من محبة ورحمة.

فلنعمل من أجل دنيانا، ونستعد لآخرتنا، ولنجعل من وجودنا فرصة للعطاء والبناء والإصلاح، دون أن نغتر بزائل أو نتعلق بفانٍ.

فالعاقل من يتذكر أن كل شيء إلى زوال، وأن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يقدمه من خير، لا فيما يمتلكه من متاع الدنيا.

آيات مصطفى
آيات مصطفى
رائدة أعمال وصانعة محتوى، تشغل منصب المدير التنفيذي لجريدة «سبأ نيوز» الإخبارية، وأدمن جروب تعليمي لمدارس الإسكندرية.
تعليقات