صفقة ترددات تضع «ستارلينك» على عتبة منافسة شركات المحمول الأميركية
أكتوبر 2026

تتحرك «سبيس إكس» خطوة إضافية من موقع مزود الإنترنت الفضائي إلى قلب سوق الاتصالات المحمولة في الولايات المتحدة. فقد أعلنت الشركة اتفاقًا لشراء محفظة تراخيص طيف لاسلكي منخفض النطاق من شركة الاستثمار «غرين مانجمنت» (Grain Management)، في صفقة تقول إنها قد تساعد خدمة «ستارلينك موبايل» على الوصول إلى الهواتف الذكية العادية، لا إلى أجهزة الاستقبال الفضائية المخصصة وحدها. ويمنح الاتفاق المشروع بعدًا تنافسيًا جديدًا في سوق تهيمن عليه شركات «أي تي أند تي» و«فيرايزون» و«تي موبايل».
لكن ما أُعلن ليس إطلاقًا فوريًا لشبكة هاتف مستقلة، ولا يعني أن الصفقة أُغلقت أو أن الخدمة باتت تعمل داخل المباني. فالانتقال من اتفاق شراء التراخيص إلى تشغيل شبكة تجارية يتطلب موافقة تنظيمية، وتجهيز البنية الأرضية والفضائية، وإثبات أن الخدمة تستطيع تقديم جودة موثوقة في ظروف الاستخدام اليومية. وتخضع عملية نقل التراخيص لموافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (FCC)، بحسب التغطيات التي نشرت تفاصيل الاتفاق.
ما الذي اشترته سبيس إكس؟
تتعلق الصفقة بمحفظة وطنية من الترددات في نطاق 800 ميغاهرتز، يصل حجمها إلى 14 ميغاهرتز مقترنًا، وفق بيان «سبيس إكس» الذي نقلته وسائل إعلام، وبحسب «رويترز» التي أوضحت أن الاستحواذ يشمل محفظة «غرين مانجمنت» على مستوى البلاد.
ويعني وصف «مقترن» أن الطيف موزع في نطاقين متجاورين أو متقابلين للاستخدام في اتجاهي الإرسال والاستقبال، وهو ترتيب شائع في شبكات الهاتف الخلوي. أما «منخفض النطاق» فيشير إلى ترددات تستطيع عادة قطع مسافات أطول والتعامل بصورة أفضل مع العوائق مقارنة بترددات أعلى، وإن كانت السعة والسرعة المتاحة تتأثران بعوامل أخرى، منها مقدار الطيف وكثافة المستخدمين.
ولم تعلن «سبيس إكس» و«غرين مانجمنت» قيمة الصفقة عند إعلانها. ونقلت «رويترز» عن تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» تقديرًا يقارب 8 مليارات دولار نقدًا، لكن هذا الرقم منسوب إلى مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، وليس سعرًا أكدته الشركتان في بياناتهما.
ومن المهم كذلك تصحيح اسم البائع الوارد في بعض الصياغات العربية: الاسم هو «غرين مانجمنت» (Grain Management)، وليس Green Management.
وكانت «غرين مانجمنت» قد اشترت الترددات من «تي موبايل» في صفقة أُعلن عنها في 2025، واكتمل نقلها في أغسطس 2026 مقابل 2.9 مليار دولار نقدًا، إضافة إلى تراخيص طيف أخرى، وفق تقرير متخصص في قطاع الأقمار الصناعية.
ولا يعني ذلك أن «تي موبايل» طرف البائع في الاتفاق الجديد؛ البائع المعلن حاليًا هو «غرين مانجمنت».
لماذا تهم ترددات 800 ميغاهرتز؟
تعتمد فكرة «ستارلينك موبايل» على دمج الاتصال الفضائي بالهواتف مع الطيف الذي تستخدمه شبكات المحمول. وتقول «سبيس إكس» إن لديها طيفًا متوسط النطاق عند نحو 2 غيغاهرتز يمكن أن يوفر سعة أعلى، فيما يُفترض أن يضيف طيف 800 ميغاهرتز طبقة تغطية أوسع وقدرة أفضل على النفاذ عبر العوائق، مثل الأشجار والجدران.
وتلك الخصائص مهمة لأن الاتصال المباشر بين قمر صناعي وهاتف صغير يواجه تحديًا مختلفًا عن الاتصال بين قمر صناعي وهوائي منزلي كبير ومخصص.
تقدم خدمة الإنترنت الفضائي التقليدية من «ستارلينك» اتصالًا عالي السرعة عبر طبق أو جهاز استقبال خاص، يحتاج إلى موقع مكشوف نسبيًا وخط رؤية مناسب نحو السماء. أما الاتصال المباشر بالأجهزة، أو ما يعرف اختصارًا بـ«D2D»، فيستهدف الهواتف الموجودة أصلًا في جيوب المستخدمين. وهذا لا يجعل الهاتف طبقًا فضائيًا مصغرًا، بل يضع الأقمار الصناعية ضمن منظومة اتصال تتعامل مع أجهزة محمولة ذات هوائيات وقدرات إرسال محدودة. لذلك يُعد توفير الطيف المناسب، وتكثيف الأقمار، وإدارة الإشارة والتداخل، عناصر ضرورية قبل الحديث عن خدمة واسعة النطاق.
وتقول الشركة إن معظم الهواتف المحمولة الحالية تدعم نطاق 800 ميغاهرتز، ما قد يقلل الحاجة إلى شراء هاتف فضائي مخصص.
لكن توافق الهاتف مع نطاق ترددي لا يكفي وحده لضمان أن كل جهاز سيعمل تلقائيًا على الشبكة الجديدة؛ إذ يتوقف ذلك أيضًا على تخصيص التراخيص، ودعم الأجهزة والبرمجيات، واتفاقات التشغيل، وخطة الإطلاق التجارية، والقواعد الفنية التي تضعها الجهة التنظيمية.

بنية هجينة لا قمر صناعي فقط
بحسب شرح «رويترز»، تخطط «سبيس إكس» لدمج الترددات الجديدة في نظام يجمع بين الأقمار الصناعية ومكونات أرضية، من بينها أجهزة إرسال وهوائيات على أبراج وأسقف.
وهذا التفصيل يحد من التوقعات المبسطة بأن صفقة الطيف ستسمح للأقمار وحدها باستبدال آلاف الأبراج فورًا. فالطيف يوفر حق استخدام موجات لاسلكية ضمن شروط محددة، لكنه لا يبني شبكة بحد ذاته. كما أن تحسين استقبال الإشارة داخل الأبنية في المدن قد يحتاج إلى تجهيزات أرضية وتوزيع كثيف للبنية، حتى لو أضافت الأقمار تغطية للمناطق النائية أو الفجوات التي لا تصل إليها الشبكات التقليدية.
وفي الوقت نفسه، وافقت لجنة الاتصالات الفيدرالية في الأسبوع نفسه، وفق «رويترز» و«ساتلايت توداي»، على طلب منفصل يتيح لـ«سبيس إكس» نشر ما يصل إلى 15 ألف قمر من الجيل الثاني لخدمة «ستارلينك موبايل».
هذه الموافقة تتعلق بكوكبة الأقمار، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الموافقة المطلوبة لنقل تراخيص الطيف من «غرين مانجمنت». فهما مساران تنظيميّان مختلفان، ولا يحسم أي منهما وحده موعد إطلاق خدمة مكتملة أو نطاق تغطيتها الفعلي.
لماذا تراجعت أسهم شركات الاتصالات؟
أثار الإعلان قلق المستثمرين من احتمال دخول منافس يملك منظومة فضائية واسعة، إلى جانب قدرته على بناء شبكة أرضية أو عقد شراكات فيها. وتراجعت أسهم «أي تي أند تي» و«فيرايزون» و«تي موبايل» بنحو 6 بالمئة في التداولات الممتدة بعد الإعلان، وفق «رويترز».
وأشارت تغطية «سي إن بي سي» إلى هبوط الأسهم عقب إعلان الاتفاق، فيما ارتفع سهم «سبيس إكس» بنحو 2 بالمئة في التداولات الممتدة وفق بيانات التقرير.
وتعكس حركة الأسهم إعادة تقييم للمخاطر المستقبلية، لا دليلًا على أن شركات الاتصالات فقدت عملاءها أو أن «ستارلينك موبايل» بدأت بالفعل منافستها تجاريًا.
وتأتي الخطوة بالتزامن مع تحركات مضادة من الشركات القائمة. فقد ذكرت «سي إن بي سي» أن «أي تي أند تي» و«فيرايزون» و«تي موبايل» أنشأت مشروعًا مشتركًا يركز على توسيع التغطية في المناطق التي تعاني ضعف الخدمة، عبر حلول الأقمار الصناعية والاتصال المباشر بالأجهزة.
ويظهر ذلك أن استخدام الأقمار لم يعد حكرًا على مبادرة واحدة، وأن شركات المحمول تحاول دمج التقنية في عروضها بدل تركها لمنافس جديد.
كما أن لدى المشغلين القائمين أصولًا لا تتوافر تلقائيًا لأي وافد جديد: قواعد عملاء ضخمة، ومتاجر وخدمة عملاء، وشبكات أبراج وألياف، وعلاقات توزيع، وخبرة في إدارة السعات خلال أوقات الذروة. وفي المقابل، تتمتع «سبيس إكس» ببنية فضائية قائمة وقاعدة مستخدمين عالمية لخدمة الإنترنت، ويمكنها محاولة تجميع الإنترنت الفضائي وخدمة الهاتف وربما خدمات رقمية أخرى في عروض موحدة. لكن نجاح هذا النموذج يعتمد على السعر، والتغطية، والأداء، وقدرة الشركة على بناء مكونات أرضية وصيانتها.
المنافسة والقيود المقبلة
الرهان الأكبر هو ما إذا كان الجمع بين الطيف منخفض النطاق والأقمار الصناعية سيحوّل «ستارلينك موبايل» من خدمة تغطي مناطق انقطاع الشبكة إلى بديل يومي للمحمول. قد تكون فائدته واضحة في الطرق الريفية والمناطق النائية ومواقع الطوارئ، حيث يصعب اقتصاديًا نصب الأبراج. أما في المدن المكتظة، فستظل السعة وسرعة البيانات، والتداخل، والاستقبال داخل المنشآت، وعدد المستخدمين المتزامنين، اختبارات حاسمة.
كذلك تملك لجنة الاتصالات الفيدرالية سلطة مراجعة نقل التراخيص وتطبيق شروطها الفنية والتنظيمية. وقد تتعلق المراجعة بمدى توافق استخدام الطيف مع قواعد البث، وحماية الشبكات المجاورة من التداخل، والالتزامات المرتبطة بالتغطية. وحتى بعد الموافقة، قد يستغرق بناء الشبكة وإطلاق الخدمات وتوسيعها وقتًا. ولم تحدد «سبيس إكس» في التغطيات المنشورة موعدًا لبدء الخدمة الجديدة إذا وافقت الجهات التنظيمية.
لهذا تبدو الصفقة مهمة من دون أن تكون حاسمة بعد. فهي تمنح «سبيس إكس» موردًا نادرًا في سوق الاتصالات وتدعم طموحها لتقديم خدمة مباشرة إلى الهواتف، لكنها لا تضمن تلقائيًا تغطية داخل كل مبنى أو سرعة تضاهي شبكات الألياف والجيل الخامس. وقد تحدد السنوات المقبلة ما إذا كان الطيف الفضائي والأرضي سيكمل شبكات المحمول القائمة، أم سيصبح منافسًا قادرًا على تغيير طريقة شراء الأميركيين لخدمات الاتصال.