أفادت تقارير ل وكالة الصحافة الفرنسية، ونقلتها شبكة "سكاي نيوز عربية" في تغطية خاصة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، بأن الأسواق المالية تشهد حالة من التوتر الشديد تجاه الاقتصاد الفرنسي؛ حيث ارتفع عائد السندات الحكومية الفرنسية (OAT) لأجل عشر سنوات بشكل ملحوظ ليصل إلى مستوى 4.94 بالمئة. هذا الارتفاع الحاد جاء ليعمق الفجوة بين الاقتصاد الفرنسي ونظيره الألماني الذي يُعتبر المعيار الأوروبي الأول للجدارة الائتمانية والأمان المالي، مسجلاً فارقاً تجاوز 150 نقطة أساس.
أعلى فارق منذ أزمة منطقة اليورو في 2012 يُعد هذا الفارق الواسع بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية الأعلى من نوعه منذ مستويات الإغلاق المسجلة في يناير 2012. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الفترة التاريخية كانت تشهد خضم أزمة ديون سيادية قاسية عصفت بمنطقة اليورو، واستدعت آنذاك تدخلات طارئة ومباشرة من البنك المركزي الأوروبي في الأسواق للسيطرة على تكاليف الاقتراض ومنع خروجها عن نطاق السيطرة. وعودة هذه المؤشرات تثير مخاوف جدية لدى الدوائر الاقتصادية الأوروبية من تكرار سيناريوهات الأزمات السابقة، ولكن هذه المرة من بوابة إحدى أكبر اقتصاديات الاتحاد الأوروبي.
موجة بيع واسعة للديون الفرنسية شهدت الأسابيع الأخيرة عمليات بيع واسعة النطاق للديون السيادية الفرنسية من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية. وتعكس هذه التحركات حالة متزايدة من انعدام اليقين والشكوك العميقة حول قدرة الحكومة على كبح جماح الإنفاق العام المرتفع، والذي قاد الدين العام إلى مستويات تاريخية مقلقة. وتتزامن هذه الأزمة المالية مع احتجاجات شعبية وطلابية واسعة تشهدها المدن الفرنسية، حيث يطالب المحتجون بزيادة التمويل المخصص للمدارس والقطاع التعليمي، مما يضع الحكومة بين مطرقة المطالب الاجتماعية وسندان الإصلاحات المالية الصارمة.
ترقب حذر لقرار وكالة "موديز" تتجه أنظار المحللين الماليين والمستثمرين بقلق بالغ نحو يوم الجمعة القادم، تزامناً مع القرار المرتقب لوكالة التصنيف الائتماني الدولية "موديز" بشأن التصنيف السيادي لفرنسا. وتشير التوقعات إلى أن أي تخفيض محتمل في التصنيف الائتماني لفرنسا سيؤدي تلقائياً إلى موجة جديدة من رفع تكاليف اقتراض الحكومة في الأسواق الدولية، مما يزيد الأعباء المادية على الخزينة العامة ويضيق الخيارات أمام صناع القرار.
موازنة 2027 في مهب الريح بلا أغلبية برلمانية تأتي موجة بيع الديون في توقيت غاية في الحساسية والتعقيد، إذ يسعى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو جاهداً لتمرير مشروع موازنة عام 2027 عبر قنوات البرلمان. ويواجه رئيس الوزراء تحدياً سياسياً جسيماً يتمثل في افتقاره لأغلبية برلمانية مريحة تدعم حزمة تخفيضات الإنفاق المقترحة والتي تقدر بنحو 43 مليار يورو، وهي تخفيضات تراها الحكومة ضرورية ولكنها تواجه رفضاً سياسياً وشعبياً واسعاً.
عجز يغرد خارج السِرب الأوروبي حتى في حال نجاح الحكومة في إقرار الموازنة بالشكل المطلوب، فإن المؤشرات المالية تفيد بأن العجز العام في الموازنة الفرنسية لن يتراجع إلا إلى مستوى 5 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ويُعد هذا الرقم أعلى بكثير من الحد الأقصى المسموح به للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبالغ 3 بالمئة فقط. وإلى جانب ذلك، تشير التقديرات إلى أن إجمالي الدين العام الفرنسي سيظل مستقراً عند مستويات مرتفعة تقترب من 120 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثل ضعف الحد الأقصى المسموح به بموجب قواعد الاستقرار المالي في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يضع باريس في مواجهة مباشرة مع المفوضية الأوروبية ويؤكد عمق التحديات الهيكلية التي تعاني منها المالية العامة الفرنسية.
