كتبت: عبير الحويطي
عبر التاريخ الإسلامي، ظهرت نماذج نادرة من النساء اللاتي امتلكن قوة الإرادة، وثبات الموقف، وحسن الرأي، وكان لبعضهن دور عظيم في نصرة الإسلام والوقوف إلى جانب الدعوة الإسلامية في أصعب مراحلها.
ومن أبرز هذه النماذج السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي كانت خير سند للنبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة. وقفت إلى جانبه بكل ما تملك من مال ومكانة وحكمة، وساندته عندما نزل عليه الوحي، فكانت أول من آمن به وصدقه، وشاركته الصبر على المحن والشدائد.
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها زوجة محبة، وشريكة وفية، وسندًا قويًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد سخرت مالها في نصرة الدعوة، وتحملت معه الصعاب، وأنجبت له أبناءه، وظلت مثالًا خالدًا للمرأة المؤمنة التي تجمع بين قوة الشخصية ورقة المشاعر وصدق الوفاء.
ومن النماذج العظيمة أيضًا السيدة أم سلمة رضي الله عنها، التي عُرفت برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة. ومن أشهر مواقفها ما حدث في صلح الحديبية، عندما أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم برأي كان له أثر مهم في تجاوز موقف شديد الحساسية.
فقد خرج المسلمون لأداء العمرة، ثم حالت قريش بينهم وبين دخول مكة، وبعد الاتفاق على الصلح أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا، لكنهم تأخروا في تنفيذ الأمر لشدة ما أصابهم من حزن. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، فأشارت عليه أن يخرج دون أن يتحدث إلى أحد، وينحر هديه ويحلق، ففعل، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى الاقتداء به. وكان في رأيها حكمة ساعدت على تجاوز الموقف دون أن يتحول إلى مواجهة أو قتال.
وفي عصرنا الحالي، لا تزال كثير من النساء يستلهمن من أمهات المؤمنين والصحابيات نماذج في الأخلاق، والصبر، والقوة، والعزيمة، والقدرة على تحمل المسؤولية.
فالمرأة اليوم تتحمل أعباء كثيرة داخل المنزل وخارجه، وتشارك في العمل، وتربية الأبناء، وإدارة شؤون الأسرة، وتسهم في بناء المجتمع والحفاظ على تماسكه. وقد أثبتت في مواقف كثيرة قدرتها على الصبر ومواجهة الأزمات وتحمل المسؤوليات، حتى أصبحت في بعض الظروف تقوم بأدوار متعددة في الوقت نفسه.
ومن الصحابيات أيضًا من شاركن في خدمة المسلمين أثناء الغزوات، فكن يداوين الجرحى، ويسقين العطشى، ويقدمن العون للمقاتلين، ويقمن بما يستطعن من أعمال تخدم المسلمين في ساحات القتال.
ولم تكن تلك المشاركات نابعة من اندفاع بلا ضوابط، بل كن يدركن جيدًا ما لهن وما عليهن، ويلتزمن بما يتناسب مع ظروفهن ومسؤولياتهن، ويقدمن نموذجًا للمرأة التي تجمع بين القوة والحكمة، وبين الشجاعة والالتزام.
لقد كانت الصحابيات نماذج مشرقة للمرأة التي تعرف قدرها ومسؤوليتها، فكن زينةً في بيوتهن، وسندًا لأسرهن، وشخصيات قوية في مواجهة الصعاب خارجها.
وهكذا تبقى سيرتهن مصدر إلهام للنساء في كل عصر؛ فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو تحدي الآخرين، وإنما في الصبر، وحسن التصرف، وثبات المبدأ، والقدرة على تحمل المسؤولية، وصناعة الأثر الطيب في الأسرة والمجتمع.
