تأتي مطالب اتحاد الصناعات الألمانية (BDI) في مرحلة مفصلية يمر بها الاقتصاد الألماني والأوروبي على حد سواء؛ حيث يواجه القطاع الصناعي في برلين ضغوطاً متزايدة ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، والاعتماد الهيكلي العميق على الأسواق والمواد الخام الصينية، فضلاً عن التنافسية المحمومة مع القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة. في ظلال هذه الأزمات المتشابكة، أصدر الاتحاد ورقة مبادئ استراتيجية شاملة ترسم خارطة طريق لإنقاذ التنافسية الألمانية وتحديد التوجهات الاقتصادية والتجارية للسنوات المقبلة.
في هذا التقرير الموسع، نستعرض ملامح الرؤية الجديدة للصناعة الألمانية، ومحاور التحول الرقمي والمناخي، والاستراتيجية المطلوبة للتعامل مع العملاقين: الصين والولايات المتحدة.
1. الأزمة الهيكلية وتراجع القدرة التنافسية للموقع الألماني
تشير ورقة المبادئ الصادرة عن اتحاد الصناعات الألمانية إلى أن "موقع ألمانيا الاقتصادي بات يواجه ضغوطاً هائلة تضرب عمق القطاعات الإنتاجية". فلم تعد التحديات مقتصرة على تباطؤ مؤقت في الأسواق العالمية، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تهدد نموذج النمو الألماني القائم تقليدياً على التصنيع عالي الجودة والتصدير.
أسعار الطاقة والعبء الضريبي
منذ اندلاع أزمات الإمداد العالمية والاضطرابات الجيوسياسية، ارتفعت أسعار الطاقة في ألمانيا إلى مستويات قياسية مقارنة بالولايات المتحدة وآسيا. هذا الارتفاع دفع المواطنين إلى تشديد أحزمة الإنفاق، ورفع معدلات الادخار إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008 نتيجة عدم اليقين الاقتصادي. تفرض هذه التكاليف الباهظة للطاقة، إلى جانب البيروقراطية المعقدة والأعباء الضريبية المرتفعة على الشركات، قيوداً تكبل قدرة المصانع الألمانية على المنافسة في الأسواق المفتوحة.
المطالبة بإصلاحات مالية فورية
لمواجهة هذا التدهور، يطالب قطاع الصناعة الحكومة في برلين بتبني سياسات مالية واقتصادية حازمة تشمل:
- خفيض الأعباء الضريبية: تقليص الضرائب المباشرة وغير المباشرة على الشركات الصناعية لتمكينها من إعادة استثمار أرباحها محلياً.
- كبح تكاليف الطاقة والعمالة: تقديم دعم مباشر ومستدام لأسعار الطاقة الموجهة للإنتاج وخفض التكاليف الإضافية للأجور غير المرتبطة بالإنتاجية.
- الالتزام بالانضباط المالي: يدعو الاتحاد بشكل قاطع إلى العودة إلى الانضباط في الإنفاق الحكومي، ويرفض بشدة أي محاولات لتخفيف أو تعديل قواعد "كبح الديون" المنصوص عليها في الدستور الألماني، معتبراً أن الاستقرار المالي للدولة هو حجر الزاوية لأي نمو اقتصادي مستدام.
2. استراتيجية "تقليل المخاطر" وإعادة صياغة العلاقات مع الصين
يعد ملف العلاقات التجارية مع بكين من أبرز المحاور التي ركزت عليها ورقة المبادئ؛ إذ يرى اتحاد الصناعات الألمانية ضرورة تقليص الاعتماد الاقتصادي والتجاري على الصين بصورة أكثر حزماً ومنهجية مقارنة بالسياسات المتبعة سابقاً.
تنويع سلاسل الإمداد والمواد الخام
عقود من الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية جعلت الصناعات الحيوية في أوروبا – مثل صناعة السيارات، والبطاريات، والتكنولوجيا النظيفة – رهينة للقرارات السياسية والاقتصادية لبكين. بناءً على ذلك، يشدد الاتحاد على ضرورة:
- تنويع مصادر التوريد: البحث عن شراكات استراتيجية جديدة في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا لضمان تدفق المواد الخام الأساسية.
- تعزيز القدرات السيادية لأوروبا: زيادة قدرات التمويل، والمعالجة، وإعادة التدوير داخل القارة الأوروبية لتقليل الحاجة لاستيراد المواد المصنعة جزئياً من الصين.
- تطبيق نهج "تقليل المخاطر" (De-risking): يؤكد الاتحاد أن فك الارتباط الكامل (Coupling) ليس الهدف، بل إن النهج الصحيح هو تقليل المخاطر عبر حماية التكنولوجيا الحساسة وضمان منافسة عادلة ترعى المصالح الألمانية والأوروبية أولاً.
3. التحول الأخضر المرن والسياسة المناخية المتوازنة
تؤكد الصناعة الألمانية التزامها التام بإعادة هيكلة الاقتصاد والتحول نحو نموذج محايد مناخياً بحلول منتصف القرن. ومع ذلك، تحذر الشركات من أن فرض شروط مناخية تعسفية أو متسارعة دون تقديم الدعم الكافي قد يؤدي إلى هجرة الاستاناعات (Carbon Leakage) وإغلاق المصانع.
يطالب الاتحاد بـ إضفاء مرونة كبرى على الهيكل المناخي التنظيمي في ألمانيا والاتحاد الأوروبي. وتشمل هذه المطالب تقديم إعفاءات ومساعدات مالية قصيرة الأجل للقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة لتمكينها من الصمود خلال فترة الانتقال التكنولوجي، وضمان ألا تتحول حماية المناخ إلى معول هدم للقدرة التنافسية للمنتجات الأوروبية.
4. الثورة الرقمية وتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
لا يمكن فصل التنافسية الصناعية اليوم عن التفوق التكنولوجي الرقمي. وفي هذا السياق، انتقدت ورقة المبادئ البطء التنظيمي والضعف الهيكلي في البنية التحتية الرقمية لألمانيا مقارنة بقوى تكنولوجية أخرى.
دعا الاتحاد برلين وباقي العواصم الأوروبية إلى تركيز الجهود على قطاعين رئيسيين:
- زيادة قدرات الحوسبة الرقمية: الاستثمار الضخم في مراكز البيانات وشبكات الاتصال فائقة السرعة لخدمة المنشآت الصناعية الذكية.
- تسريع تبني الذكاء الاصطناعي: إيلاء أهمية قصوى لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) وطرحها تجارياً في السوق لدعم العمليات الإنتاجية، والأتمتة، وإدارة سلاسل التوريد المعقدة، مما يساهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الإنتاج الإجمالية.
5. صياغة موقف أوروبي واثق أمام الولايات المتحدة الأمريكية
فيما يتعلق بالعلاقات عبر الأطلسي، تشير ورقة المبادئ إلى أن التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية – الشريك التاريخي والحليف الاستراتيجي – يتطلب من القارة العجوز تبني "موقف أوروبي واثق من نفسه ومسترشد بالمصالح المشتركة".
ترى الصناعة الألمانية أن السياسات الحمائية الأمريكية (مثل قانون خفض التضخم الأمريكي) تجتذب الاستثمارات الأوروبية بعيداً عن القارة عبر تقديم إعفاءات ضريبية سخية. لمواجهة ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي صياغة ردود اقتصادية موحدة ومكافئة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تآكل القاعدة الصناعية الأوروبية، مع الإبقاء على قنوات الحوار المفتوح لتعزيز التجارة الحرة بين ضفتي الأطلسي.
توثيق المصدر
- وكالة الأنباء المصدر: وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ - DPA).
