آخر الأخبار

حين يُعطَّل العقل وتُستعار العدالة: قراءة في جريمة تتحدى المنطق.

بقلم: شروق يسري الدالي 

أكبر فتنة أبتلي بها جيلنا هي رؤية الباطل منتصرا في كل مكان وفي كل مجال.

تطالعنا الأنباء بين الحين والآخر بمفارقات تتجاوز حدود الخيال المألوف، وتتخطى سقوف العجب "الكوميديا السوداء". ولعل ما تداولته المواقع الصحفية مؤخرًا عن واقعة إنتحال عاطل لصفة "قاضٍ"، واستئجاره قاعة حكومية بمحكمة شمال القاهرة للنصب على المواطنين، ليشكل حادثة فريدة من نوعها، تعيد إلى الأذهان المثل الشعبي القائل: «الفاضي يعمل قاضي»، ولكن بتطبيق حرفي يثير الذهول قبل السخرية.

حين يُعطَّل العقل وتُستعار العدالة: قراءة في جريمة تتحدى المنطق. 

بين إنتحال الصفة وغياب الوعي

إن هذه الحادثة لا تمثل مجرد جريمة نصب أو خداع فردي كما قد يبدو في الظاهر؛ بل هي مرآة تعكس صراعاً بين جسارة المجرم وسذاجة المخدوعين. كيف لمرء يعيش في الفراغ والعطالة أن تصل به الجرأة إلى المساس بقدسية منصة القضاء؟ وكيف يمكن للثقة العمياء أن تجعل بعض المواطنين ضحايا لمسرحية هزلية تقام داخل المعمار العام؟

السقوط في هاوية الإغراء: يعتمد النصابون دائمًا على استغلال حاجات الناس وفقر وعيهم القانوني.

تزييف المظاهر: اتخذ المنتحل من المظهر الخارجي والرداء المهاب ستارات لخداع العيون القاصرة عن إدراك الحقيقة.

بلاغة المثل وشر البلية

تقول العرب في أمثالها: «شر البلية ما يضحك». وفي هذه النازلة، يلتقي المثل الشعبي «الفاضي يعمل قاضي» مع الواقع المرير؛ فالفراغ حين يقترن بسوء النية وغياب الضمير، يتحول من حالة نفسية سالبة إلى طاقة إجرامية خلاقة في الخداع.

«إن العدالة هيبة لا تستعار، والمنصة حق لا يغتصب؛ ومن ظن أن المظاهر تصنع القضاة، فقد جهل أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.»

تظل هذه الحادثة جرس إنذار ينبه إلى أهمية نشر الوعي القانوني بين المواطنين، والاعتماد على القنوات الرسمية الموثوقة بعيدًا عن الطرق الملتوية. فالقضاء ليس جدرانًا تستأجر، ولا ثيابًا تبتاع، بل هو شرع وقانون وضمير حي يحمي المظلوم ويقطع دابر المفاسد.


تعليقات