سرقة في وضح النهار
لم تكن سرقة عقد الملكة نازلي في العاصمة النمساوية فيينا مجرد حادثة جنائية تستحق عناوين الأخبار بسبب سعر المجوهرات. فالقطعة التي اختفت من متحف الفنون التطبيقية في فيينا، المعروف اختصاراً بـ«MAK»، تحمل طبقات متراكمة من التاريخ الملكي المصري، وتختصر في تصميمها رحلة طويلة عبر القصور والمزادات والمتاحف. وبينما تبحث الشرطة النمساوية عن المشتبه بهما، يطرح اختفاء العقد أسئلة تتجاوز مكان وجوده الحالي: من يملك حق رواية قصته؟ وهل تكفي الملكية القانونية لإلغاء الذاكرة التاريخية المرتبطة به؟
بحسب إعلان شرطة فيينا، وقعت الحادثة بعد ظهر 27 أغسطس/آب 2026 في متحف يقع في منطقة شتوبنرينغ بوسط العاصمة. دخل رجلان إلى المتحف بصفتهما زائرين، ثم توجها إلى المعرض المؤقت المخصص لتصاميم دار «فان كليف أند آربلز». ووفق الرواية الرسمية، حطم المشتبه بهما واجهة زجاجية بمطرقة، وانتزعا العقد، ثم فرا إلى جهة غير معلومة.
تكمن أهمية هذه التفاصيل في أن الجريمة لم تقع في مستودع مغلق أو أثناء الليل، بل أمام زوار وموظفين وفي ساعات العمل. وأفادت الشرطة بأن كاميرات المراقبة التقطت صوراً واضحة للرجلين، إذ لم يكونا ملثمين. كما بدأت فرق البحث تحركات واسعة، استعانت خلالها أيضاً بكلب لتتبع الأثر. وطلبت الشرطة من الجمهور تقديم أي معلومات، بما في ذلك المعلومات المجهولة، حول المشتبه بهما أو العقد.
أما التقارير الصحفية، فأضافت أن أحد الرجلين كان يحمل ما يُعتقد أنه سلاح ناري، وهو ما قد يفسر عدم تدخل الحراس أو الزوار لمنع الفرار، رغم وجود أشخاص داخل القاعة لحظة تحطم الواجهة. ولم تعلن السلطات في المصادر المتاحة هوية المشتبه بهما أو توقيف أي شخص، كما لم يتضح ما إذا كان العقد قد غادر النمسا أو بقي داخلها. لذلك يظل وصف العملية ودوافعها مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات، لا بما يمكن استنتاجه من المشهد وحده.
قطعة صنعت لملكة مصرية
يعود العقد إلى عام 1939، وصممته دار «فان كليف أند آربلز» من البلاتين والألماس. وتورد صفحة القطعة في كتالوغ «سوثبيز» أنها مؤلفة من عقد متدرج يحمل واجهة مرنة على هيئة أشعة شمس، تتوسطها ألماسة مستديرة تزن نحو ستة قراريط، إلى جانب 118 ألماسة أكبر يبلغ مجموع أوزانها نحو 134 قيراطاً، وأحجار أصغر بنحو 27 قيراطاً، وألماس مقطوع على هيئة قضبان يقدر بنحو 50 قيراطاً.
وتشير هذه الأرقام إلى أن عبارة «673 حجراً كريماً» لا تتعلق بحجر واحد ضخم، بل بمنظومة دقيقة من الأحجار المتفاوتة في القطع والحجم، رتبت على قاعدة بلاتينية مرنة. وتصف الدار الفرنسية القطعة بأنها مثال على مجوهرات بيضاء بالغة التعقيد؛ أما كتالوغ المزاد فيؤكد وجود علامات الصانع والفحص الفرنسية، ويصف حالتها وقت البيع بأنها جيدة جداً مع آثار استعمال سطحية في المعدن.
كان العقد، وفق سجل الملكية المنشور في كتالوغ «سوثبيز»، ضمن مجموعة الملكة نازلي فؤاد، ملكة مصر السابقة ووالدة الملك فاروق. كما ارتبط العقد بمناسبة رمزية: حفل زفاف ابنتها الأميرة فوزية على ولي عهد إيران آنذاك محمد رضا بهلوي، الذي أصبح لاحقاً شاه إيران. وتظهر صور أرشيفية للملكة وهي ترتديه في المناسبة، ما يحول العقد من غرض فاخر إلى شاهد بصري على شبكة العلاقات الملكية في المنطقة خلال ثلاثينيات القرن العشرين.
من القصر إلى المزاد
لا تسير القطع الملكية دائماً في خط مستقر من القصر إلى المتحف. وفي حالة عقد نازلي، يذكر سجل «سوثبيز» أنه بيع في مزاد أقيم في نيويورك يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، ضمن مزاد «المجوهرات المهمة». وتورد المادة الأصلية أن العقد بيع آنذاك بنحو 140 ألف دولار، وهي قيمة تعكس سوقاً مختلفة تماماً عن سوق المجوهرات التاريخية في القرن الحادي والعشرين.
وبعد عقود من الغياب عن التداول العلني، عاد العقد إلى الواجهة في مزاد «سوثبيز» عام 2015. حُدد تقدير قيمته آنذاك بين 3.6 و4.6 ملايين دولار، وأفادت تقارير صحفية بأنه بيع بنحو 4.3 ملايين دولار. الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً حسابياً فحسب؛ إنه يكشف كيف يمكن للسياق التاريخي، واسم الصانع، وندرة القطعة، ووضوح سلسلة الملكية، أن تغير قيمة المجوهرات جذرياً.
ومن المهم التفريق بين السعر المدفوع والتقدير في المزادات. فصفحة «سوثبيز» تعرض نطاق التقدير وتوثق مواصفات العقد ومصدره، بينما يذكر تقرير «الغارديان» رقم البيع النهائي المتداول في التغطية الصحفية. لذلك تُعرض هذه الأرقام كما وردت في مصادرها، من دون تحويلها إلى قيمة ثابتة مطلقة أو مساواتها تلقائياً بتقييم تأميني حديث.
بين القيمة القانونية والذاكرة المصرية
أثارت الأميرة فوزية لطيفة فؤاد الثاني، حفيدة الملك فاروق، حزنها على فقدان العقد، مؤكدة أن قيمته لا تنحصر في الماس والبلاتين، بل تشمل علاقته بتاريخ أسرتها وبالتراث المصري. هذا الموقف يفتح باباً حساساً حول القطع ذات الملكية الخاصة التي ترتبط في الوقت نفسه بتاريخ دولة أو أسرة حاكمة.
قانونياً، لا تكفي الصلة العاطفية أو الرمزية وحدها لإثبات حق الاسترداد. فالسؤال الأول هو: من كان يملك العقد في كل مرحلة؟ وهل توجد وثائق تثبت انتقاله بصورة صحيحة؟ وتظهر الوثائق المنشورة أن الملكة نازلي كانت تملكه، وأنه دخل مزاداً عاماً في 1975، ثم انتقل عبر ملاك لاحقين قبل ظهوره في مزاد 2015. وعليه، فإن أي مطالبة قانونية ستحتاج إلى مراجعة العقود وسجلات المزادات وشهادات الأصالة، إضافة إلى قوانين الدولة التي وقع فيها البيع أو الحيازة.
لكن غياب مطالبة قانونية مباشرة لا يلغي قيمة التفاوض أو الحلول الودية. فقد يكون ممكناً، في حالات مشابهة، التوصل إلى ترتيبات إعارة أو عرض مشترك أو توثيق يضمن بقاء القصة مرتبطة بمصر حتى إن لم تنتقل الملكية القانونية. وفي المقابل، فإن العثور على العقد لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة؛ إذ قد يحتاج إلى فحص جنائي وترميم وتحقق من عدم العبث به أو تفكيكه.
ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
نعرف أن رجلين دخلا متحفاً في فيينا، وأن واجهة عرض حُطمت، وأن عقداً منسوباً إلى مجموعة الملكة نازلي اختفى، وأن الشرطة نشرت صوراً وطلبت معلومات. ونعرف أن العقد صُنع عام 1939 من البلاتين والألماس، وأن له مساراً موثقاً عبر مزاد 1975 ومزاد 2015. كما نعرف أن المعرض أُغلق مؤقتاً بعد الحادثة.
لكننا لا نعرف بعد هوية المشتبه بهما، ولا مكان العقد، ولا ما إذا كان قد خرج من النمسا، ولا الدافع النهائي للعملية. ولا يمكن الجزم بأن القطعة فُككت أو أن الجريمة نفذت لحساب جهة محددة قبل إعلان نتائج التحقيق. هذا التفريق بين المعلوم والمحتمل مهم، لأن القصص التي تجمع المال والملكية الملكية والسرقة تميل إلى إنتاج روايات جذابة، لكنها قد تسبق الأدلة.
في النهاية، أعاد اختفاء عقد الملكة نازلي قطعة من تاريخ مصر إلى واجهة الاهتمام العالمي، لكن القصة لا تنتهي عند قيمة أربعة ملايين دولار أو عدد الأحجار. فكلما طال غياب العقد، اتسعت الأسئلة حول حماية التراث، ومسؤولية المتاحف، وحدود الملكية الخاصة، وحق المجتمعات في استعادة رموزها أو على الأقل استعادة قصتها. وحتى ظهور دليل جديد، يبقى العقد تحفة موثقة في السجلات، ومفقوداً في الواقع، ومحاطاً بملف مفتوح لم يُغلق بعد.
.webp)
.webp)
