كتبت: نغم عايش
يرتفع منسوب الحديث في واشنطن عن اقتراب تفاهم يتيح استئناف الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن مسؤولين وخبراء يرون أن هذا التطور، في حال تحقق، لن يشكل سوى خطوة أولى في مسار تفاوضي أكثر تعقيدا، إذ تبقى ملفات البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي لطهران، والعلاقة مع حلفائها، العقبات الأبرز أمام أي تسوية شاملة بين الجانبين.
واشنطن تراهن على تفاهم أولي..
وقال فادي منصور مراسل الجزيرة في البيت الأبيض، خلال برنامج "نافذة من واشنطن"، إن الإدارة الأمريكية تبدي تفاؤلا بإمكانية التوصل إلى اتفاق خلال الأيام المقبلة يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز، يعقبه وقف لإطلاق النار يمتد شهرا أو شهرين، تمهيدا لإطلاق مفاوضات أوسع تتناول الملف النووي الإيراني.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواصل الجمع بين الضغط العسكري والانخراط في المسار الدبلوماسي، في وقت تراهن فيه الإدارة أيضا على العقوبات الاقتصادية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، مستندة إلى ما تصفه بتزايد الضغوط الاقتصادية داخل إيران وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار منصور إلى أن التفاؤل الأمريكي لا يرتبط فقط بالاعتبارات السياسية، بل يتداخل أيضا مع حسابات اقتصادية داخلية، أبرزها انعكاسات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على أسعار الطاقة والأسواق المالية، فضلا عن الجدل المتواصل بشأن مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية الأمريكية.
تقديرات متحفظة بشأن فرص الاتفاق..
في المقابل، ترى مستشارة شؤون الأمن القومي في معهد كوينسي كيلي فلاهوس أن الحديث عن اتفاق شامل ما يزال سابقا لأوانه، معتبرة أن الاتصالات القائمة، التي تقول طهران إنها تتم عبر وساطة سلطنة عمان، لم تصل بعد إلى مرحلة تفاهم نهائي.
وأضافت أن بعض البنود المتداولة، ومنها فرض قيود على حركة السفن العسكرية الأمريكية والإسرائيلية أو استحداث رسوم على السفن العابرة للمضيق، قد تواجه رفضا من واشنطن، وهو ما قد يعرقل أي تفاهم سريع.
كما أشارت إلى أن قدرة إدارة ترمب على إطالة أمد المواجهة تبقى محكومة بعوامل داخلية، في مقدمتها اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وما قد تفرضه من ضغوط سياسية على الإدارة الأمريكية.
ملفات تتجاوز أزمة المضيق..
من جانبه، استبعد السفير الأمريكي السابق لدى السعودية مايكل راتني التوصل إلى اتفاق شامل خلال فترة قصيرة، معتبرا أن القضايا المطروحة تتطلب مفاوضات معقدة وطويلة، تشمل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وأمن الملاحة، إضافة إلى الدور الذي تؤديه إيران في المنطقة.
ورأى راتني أن التفاهم بشأن مضيق هرمز قد يكون ممكنا باعتباره ملفا مستقلا، بما يسمح بإعادة حركة الملاحة، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر حساسية، مذكرا بأن المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي السابق استغرقت نحو عام ونصف.
الضغط المتبادل وأوراق التفاوض..
وتعتبر فلاهوس أن إيران لا تزال تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط في مواجهة الولايات المتحدة، وتسعى إلى توظيفه للحفاظ على نفوذها السياسي والإقليمي، وهو ما يضع إدارة ترمب أمام معادلة معقدة بين مواصلة الضغوط والسعي إلى إنهاء التصعيد.
في المقابل، يرى راتني أن الضغوط الاقتصادية المفروضة على طهران تؤثر في قدراتها، لكنها لم تدفعها حتى الآن إلى التخلي عن مواقفها الأساسية، مرجحا استمرار سياسة الضغط الاقتصادي بالتوازي مع إبقاء باب المفاوضات مفتوحا.
الملف النووي والعقبات الإقليمية..
وفي ما يتعلق بالبرنامج النووي، قالت فلاهوس إن إيران أبدت في مراحل سابقة استعدادا لمناقشة مستويات تخصيب اليورانيوم، إلا أن التطورات اللاحقة غيّرت مسار المفاوضات، مشيرة إلى أن إدارة ترمب تسعى إلى اتفاق يختلف بصورة جوهرية عن الاتفاق النووي الذي أُبرم خلال ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وتبقى القضايا المرتبطة بالنفوذ الإقليمي الإيراني، وعلاقات طهران بحلفائها في المنطقة، من أكثر الملفات تعقيدا، إذ يرى مراقبون أنها ستشكل الاختبار الحقيقي لأي مسار تفاوضي، حتى في حال نجاح الجانبين في التوصل إلى تفاهم بشأن الملاحة أو البرنامج النووي.
الدبلوماسية خيار مطروح رغم احتمالات التصعيد..
ورغم أن احتمال عودة التصعيد العسكري ما يزال قائما، فإن راتني يرجح أن تميل إدارة ترمب إلى مواصلة المسار الدبلوماسي، حتى إذا لم يحقق النتائج التي تطمح إليها بالكامل، في ظل اعتبارات داخلية تتعلق بالانتخابات، وأخرى عسكرية مرتبطة بتكاليف المواجهة واستمرارها.
وفي المحصلة، تبدو إعادة فتح مضيق هرمز، إن تحققت، بداية لمسار تفاوضي أكثر تعقيدا، إذ ستظل قدرة واشنطن وطهران على معالجة الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان التفاهم المؤقت سيتحول إلى اتفاق دائم، أم سيمهد لجولة جديدة من التوتر بين الطرفين.
