مقاطع حفر تُنعش أحلام الثراء السريع.. والآثار الأردنية تحسم الجدل: لا ذهب في الموقع
عمّان – تقرير صحفي
أثارت مقاطع مصوّرة لأعمال حفر داخل مغارة في منطقة بيادر وادي السير بالعاصمة الأردنية عمّان جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ربط مستخدمون بين التجويفات الصخرية الظاهرة في المقاطع وبين روايات عن صناديق ذهب ودفائن أثرية مخبأة تحت الأرض.
وسرعان ما تجاوزت التكهنات موقع المغارة، إذ امتدت إلى مغارات أخرى في منطقتي القويسمة وأبو علندا، بالتزامن مع تداول روايات شعبية عن ممرات قديمة وأنفاق سرية وكنوز يُقال إنها مدفونة منذ عصور سابقة. غير أن هذه الروايات لم تُدعَم، حتى الآن، بأدلة أثرية أو وثائق رسمية تثبت وجود تلك الكنوز.
تجويف طبيعي لا مخزن للذهب
الجدل دفع الجهات المختصة إلى توضيح حقيقة الموقع. ونقلت تقارير إعلامية عن مدير دائرة الآثار العامة الأردنية، فوزي أبو دنة، نفيه وجود ذهب داخل مغارة وادي السير، موضحاً أنها عبارة عن تجويف صخري طبيعي معروف لدى المختصين منذ مئات السنين. [1]
وأكد المسؤول أن وجود فراغات أو تجاويف تحت سطح الأرض لا يعني بالضرورة وجود دفائن أو قطع أثرية، فالتكوينات الجيولوجية الطبيعية شائعة في المناطق الصخرية، وقد تبدو في الصور ومقاطع الفيديو شبيهة بممرات أو غرف مشيدة بفعل الإنسان.
«وجود فراغات تحت الأرض لا يعني بالضرورة احتواءها على كنوز أو دفائن»؛ مضمون توضيح منسوب إلى مدير دائرة الآثار العامة الأردنية، وفق التقرير المنشور في سكاي نيوز عربية. [1]
وبذلك، فإن ما ثبت حتى الآن هو وجود مغارة وأعمال حفر ومقاطع أثارت اهتمام الجمهور، أما الحديث عن صناديق ذهب أو اكتشاف أثري كبير فلا يزال في نطاق الشائعات والتكهنات غير الموثقة.
لماذا تنتشر روايات الكنوز بسرعة؟
لا تنفصل قصة مغارة وادي السير عن ظاهرة أوسع تتمثل في انتشار أخبار الكنوز المدفونة على منصات التواصل. فالمقاطع القصيرة التي تعرض حفراً أو فتحات صخرية تترك مساحة واسعة للتفسير، وغالباً ما تُرفق بعناوين مثيرة من قبيل «ذهب مرصود» أو «مدينة تحت الأرض»، من دون تحديد مصدر المعلومة أو تقديم تقرير فني يثبتها.
وتزداد قابلية هذه الروايات للانتشار لأنها تجمع بين الغموض والتاريخ وحلم الثراء السريع. كما أن غياب المعلومات المبكرة أو الدقيقة يتيح للمستخدمين إعادة تركيب القصة وفق تصوراتهم، فتتحول حفرة أو تجويف طبيعي إلى «دليل» مزعوم على وجود كنز.
وفي حالة مغارة وادي السير، تراوحت ردود الفعل بين السخرية من أحلام الثراء المفاجئ، والتشكيك في النفي الرسمي، والمطالبة بحماية الموقع من العبث. وبالتوازي، واصل بعض المتابعين تداول روايات عن أنفاق ودفائن من دون تقديم أدلة مستقلة يمكن التحقق منها. [1]
«البحيشة».. حين يتحول الاعتقاد إلى تنقيب عشوائي
أعاد انتشار المقاطع إلى الواجهة ظاهرة محلية تُعرف باسم «البحيشة»، ويُقصد بها الأشخاص الذين ينقبون بصورة عشوائية بحثاً عن الذهب أو الآثار. ويشكل هذا السلوك خطراً مزدوجاً؛ فهو قد يعرض الأفراد للانهيارات والإصابات، كما قد يؤدي إلى تدمير طبقات أثرية أو فقدان سياق تاريخي لا يمكن استعادته لاحقاً.
فالقيمة العلمية لأي قطعة أثرية لا تتحدد بمادتها أو سعرها فقط، بل بمكان العثور عليها والطبقة التي وُجدت فيها والمواد المحيطة بها. وعندما تُقتلع القطع من سياقها خلال حفر عشوائي، تضيع معلومات مهمة عن تاريخ الموقع واستخدامه والزمن الذي تنتمي إليه القطعة.
كما أن تداول صور الحفر قد يشجع آخرين على دخول مواقع غير آمنة أو محمية، وهو ما يحول الشائعة إلى سلوك ميداني قد يهدد السلامة العامة ويحمل تبعات قانونية.
عقوبات على التنقيب غير المرخص
حذرت دائرة الآثار العامة الأردنية من الحفر غير المرخص، مشيرةً – وفق التقرير المنشور – إلى أن عقوبة التنقيب غير المشروع قد تصل إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة مالية قدرها ثلاثة آلاف دينار. [1]
ولا يقتصر الهدف من هذه العقوبات على منع البحث عن الذهب، بل يشمل حماية المواقع الأثرية والجيولوجية من التخريب، والحفاظ على حق الدولة والمجتمع في معرفة تاريخ المكان من خلال أعمال علمية منظمة تقوم بها الجهات المختصة.
بين الشائعة والحقيقة
توضح قصة «ذهب تحت عمّان» أهمية التعامل الحذر مع الأخبار التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالفيديو، مهما بدا مقنعاً، لا يكفي وحده لإثبات وجود كنز أو موقع أثري. ويحتاج أي إعلان من هذا النوع إلى فحص ميداني، وتوثيق جيولوجي أو أثري، وبيان صادر عن الجهة صاحبة الاختصاص.
حتى هذه اللحظة، لا تشير المعلومات المتاحة إلى اكتشاف موثق لذهب أو صناديق أثرية في مغارة بيادر وادي السير. الرواية المؤكدة هي أن مقاطع الحفر أثارت جدلاً واسعاً، وأن دائرة الآثار العامة نفت وجود ذهب في الموقع ووصفت المغارة بأنها تجويف صخري طبيعي معروف.
الخلاصة
بينما غذّت المقاطع المصوّرة أحلام العثور على كنز مدفون تحت عمّان، جاءت إفادة الجهة الأثرية المختصة لتضع القصة في إطارها الواقعي: مغارة طبيعية، وحفر غير مرخص، وتكهنات انتشرت أسرع من الأدلة.
وتكشف الواقعة أن جاذبية الكنوز المفقودة لا تزال حاضرة في المخيال الشعبي، لكنها تذكّر في الوقت نفسه بأن البحث عن الثروة السريعة لا يبرر العبث بالمواقع الطبيعية أو الأثرية. فقبل مشاركة أي رواية عن ذهب مدفون، تظل القاعدة الأهم هي التحقق من المصدر، والاعتماد على الجهات المختصة، والامتناع عن أي حفر قد يهدد الأرواح أو يمحو جزءاً من التاريخ.
.png)
