كتبت: نيرة عبده
تتجه الحكومة المصرية إلى توسيع منظومة الدعم النقدي الموجه للمواطنين لتشمل مجموعة أكبر من السلع الغذائية الأساسية، في خطوة تستهدف تطوير آلية الدعم الحالية ومنح المستفيدين مساحة أكبر في اختيار احتياجاتهم، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز في تقرير حديث عن خطط الحكومة المصرية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه حكومي نحو الانتقال تدريجيًا من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بحيث يحصل المستفيد على قيمة مالية يستطيع استخدامها في شراء احتياجاته من السلع المدعومة، بدلًا من اقتصار الاختيارات على عدد محدود من المنتجات التي توفرها المنافذ المعتمدة.
وبحسب رويترز، يستفيد حاليًا نحو 60 مليون شخص من منظومة بطاقات التموين، ويحصل المستفيدون على قيمة شهرية تبلغ 50 جنيهًا للفرد، وتُستخدم هذه القيمة في شراء مجموعة محددة من السلع المدعمة. كما يستفيد نحو 70 مليون شخص من منظومة دعم الخبز، التي تمثل أحد أهم برامج الدعم الغذائي في مصر.
وتشير المعلومات التي أوردتها الوكالة إلى أن التغيير المقترح لا يقتصر على إعادة تنظيم طريقة صرف الدعم، وإنما يتضمن أيضًا توسيع قائمة السلع التي يمكن للمواطن الحصول عليها من خلال قيمة الدعم. ومن بين السلع التي يمكن أن تدخل ضمن المنظومة الموسعة اللحوم والحبوب والشاي والحليب والعدس والبيض والفول والدواجن.
ويعكس هذا التوجه محاولة لزيادة قدرة الأسر المستفيدة على تحديد احتياجاتها وفقًا لظروفها اليومية. فبدلًا من حصول جميع الأسر على الاختيارات نفسها، يمكن للدعم النقدي أن يمنح المواطن قدرًا أكبر من المرونة في توزيع القيمة المخصصة له على المنتجات التي يحتاج إليها بالفعل.
وتُعد مسألة الدعم الغذائي من الملفات الاقتصادية والاجتماعية المهمة في مصر، نظرًا إلى اتساع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم وارتباطها بصورة مباشرة بالأمن الغذائي للأسر، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أسعار العديد من السلع عالميًا.
وتواجه مصر في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بتوفير السلع الأساسية، وعلى رأسها القمح. ووفقًا لرويترز، تستورد مصر ما يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين طن متري من القمح سنويًا لدعم منظومة الخبز، وهو ما يجعل تطورات أسواق الحبوب العالمية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الاقتصاد المصري والمستهلك المحلي.
وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار الاضطرابات التي تؤثر في تجارة الحبوب العالمية. فقد أشارت رويترز في تقرير آخر نُشر في 20 أغسطس إلى أن هجمات طالت منشآت مرتبطة بتصدير الحبوب في منطقة البحر الأسود دفعت المشترين العالميين إلى الاستعداد لاحتمالات انخفاض الإمدادات، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار العقود الآجلة للقمح في الأسواق العالمية بأكثر من 17% منذ بداية يوليو.
وتعني هذه التطورات أن ملف الغذاء لم يعد مرتبطًا بالأسواق المحلية فقط، بل أصبح متأثرًا بصورة مباشرة بالتغيرات في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة والأوضاع الجيوسياسية. وأي ارتفاع كبير في أسعار الحبوب عالميًا يمكن أن ينعكس على تكلفة الاستيراد وعلى حجم الموارد التي تحتاجها الدول للحفاظ على استقرار أسعار المنتجات الأساسية.
ومن المنتظر أن تعمل الحكومة المصرية خلال الفترة المقبلة على تطوير تفاصيل النظام الجديد وآليات تطبيقه، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتقليل الفاقد وتحسين كفاءة الإنفاق. وتقول الخطة الحكومية، بحسب ما نقلته رويترز، إن الانتقال نحو الدعم النقدي يأتي ضمن استراتيجية أوسع خلال السنة المالية الحالية التي تنتهي في يونيو 2027.
ويطرح التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي عددًا من الأسئلة المهمة، من بينها كيفية تحديد القيمة المالية المناسبة للدعم، ومدى قدرتها على مواكبة تغير أسعار السلع، إلى جانب آليات ضمان وصول الدعم إلى المستحقين بصورة منتظمة.
كما تظل مسألة الرقابة على الأسواق عنصرًا أساسيًا في نجاح أي منظومة دعم جديدة، إذ إن زيادة قيمة الدعم أو توسيع نطاق السلع المتاحة لن تحقق أهدافها بالكامل إذا لم يصاحبها ضبط للأسواق ومواجهة أي ممارسات قد تؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في الأسعار.
ويرى متابعون أن نجاح المنظومة الجديدة سيعتمد في النهاية على قدرتها على تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف رئيسية: الحفاظ على وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، ومنح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته الغذائية.
وبذلك تدخل منظومة الدعم في مصر مرحلة جديدة تحمل تغييرات مهمة في طريقة حصول ملايين المواطنين على السلع الأساسية. وبينما تستعد الحكومة لتوسيع نطاق الدعم النقدي، ستظل كيفية التنفيذ والقيمة الفعلية للدعم ومدى استجابتها لتحركات الأسعار هي العوامل الأكثر أهمية في تقييم التجربة خلال الفترة المقبلة

لا يسمح بالتعليقات الجديدة.