كتبت : الإعلامية سما عبد السلام
تُعد سيرة النبي محمد ﷺ من أعظم السير التي عرفها التاريخ، فقد كانت حياته منذ طفولته وحتى بعثته نموذجًا فريدًا في الصبر والأمانة وحسن الخلق. وقد نشأ رسول الله ﷺ في مكة المكرمة في بيئة عُرفت بقوة التمسك بالعادات القبلية، وانتشار عبادة الأصنام، ومع ذلك حفظه الله تعالى وهيأه منذ صغره لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.
وُلد النبي محمد ﷺ في مكة المكرمة من بني هاشم، من أشرف بطون قريش، في عام الفيل. وكان والده عبد الله بن عبد المطلب قد توفي قبل ولادته، ولذلك بدأ رسول الله ﷺ حياته يتيم الأب. وكانت أمه آمنة بنت وهب ترعاه وتعتني به، ثم جرت عادة أهل مكة في ذلك الوقت أن يُرسل الأطفال إلى البادية ليتربوا في بيئة صحية ويتعلموا الفصاحة وقوة اللغة.
فأرضعته حليمة السعدية رضي الله عنها، وعاش في بادية بني سعد فترة من طفولته، ثم عاد إلى أمه آمنة. وقد كانت طفولته مليئة بالأحداث التي جعلته أكثر صبرًا وقوة، فقد فقد والدته وهو في السادسة من عمره تقريبًا، عندما خرجت به لزيارة أخواله من بني النجار، ثم عادت به فتوفيت في منطقة الأبواء بين مكة والمدينة. وهكذا أصبح النبي ﷺ يتيم الأب والأم في سن مبكرة.
بعد وفاة أمه، تولى جده عبد المطلب رعايته، وكان يحبه حبًا شديدًا ويحرص على حمايته والعناية به. ولكن لم يلبث أن توفي جده أيضًا، وكان النبي ﷺ في نحو الثامنة من عمره، فانتقلت رعايته إلى عمه أبي طالب. وعلى الرغم من أن أبا طالب لم يكن من أغنى رجال قريش، فإنه أحاط النبي ﷺ بعنايته وحمايته، وظل واقفًا إلى جانبه فيما بعد عندما بدأت الدعوة الإسلامية واشتدت معارضة قريش لها.
نشأ النبي ﷺ في مكة معروفًا بين قومه بالصدق والأمانة والعفة وحسن المعاملة. ولم يُعرف عنه أنه شارك قومه في عبادة الأصنام أو ما كانوا يمارسونه من عادات مخالفة للفطرة السليمة. وقد حفظه الله من كثير من مظاهر الجاهلية، وأعده تدريجيًا لحمل الرسالة العظيمة. وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ عمل في صغره برعي الغنم، وهي مهنة تعلم منها الصبر والمسؤولية والرحمة والرفق، ثم عمل في التجارة عندما كبر.
ومع تقدمه في العمر، أصبح النبي ﷺ أكثر ارتباطًا بالتجارة، وعُرف بين أهل مكة بحسن التعامل والصدق في البيع والشراء. وقد كانت هذه الصفات سببًا في اكتساب ثقة الناس به، حتى اشتهر بينهم بلقب الصادق الأمين. وكانت هذه السمعة الطيبة من أهم الصفات التي ظهرت في حياته قبل البعثة، وظلت ملازمة له بعد أن بدأ دعوته.
وفي شبابه، عمل النبي ﷺ في تجارة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، لما عُرف عنه من الأمانة وحسن الخلق. وأعجبت خديجة رضي الله عنها بصدقه وأمانته، ثم تزوجها النبي ﷺ وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها زوجة محبة ومخلصة، ووقفت إلى جانبه في أصعب مراحل حياته، وخاصة عندما نزل عليه الوحي لأول مرة.
ومع مرور السنوات، أصبح النبي ﷺ يميل إلى الخلوة والابتعاد عن ضوضاء مكة، وكان يتأمل في خلق الله تعالى وينأى بنفسه عن عبادة الأصنام التي كانت منتشرة بين قومه. وكان يذهب إلى غار حراء في جبل النور، فيتعبد هناك الليالي ذوات العدد، ثم يعود إلى أهله ويتزود ويعود مرة أخرى. وتذكر الروايات الصحيحة أن أول ما بدأ به الوحي كان الرؤى الصادقة التي كانت تأتي للنبي ﷺ فتتحقق كما يراها.
وعندما بلغ النبي ﷺ أربعين عامًا، جاءت اللحظة الفاصلة في حياته وفي تاريخ البشرية كلها. ففي غار حراء، وبينما كان يتعبد، جاءه جبريل عليه السلام بأول الوحي، وقال له: "اقرأ"، فكان ذلك بداية نزول القرآن الكريم وبداية بعثة النبي محمد ﷺ. ونزلت عليه الآيات الأولى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
عاد النبي ﷺ من غار حراء بعد نزول الوحي وهو في حالة من شدة التأثر، واتجه إلى زوجته خديجة رضي الله عنها، فساندته وطمأنته، وذكّرته بصفاته الكريمة وأخلاقه الحسنة. ثم ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، الذي كان يعرف شيئًا من الكتب السابقة، فأخبره أن الذي جاءه هو جبريل عليه السلام، وأنه صاحب الوحي الذي جاء الأنبياء من قبله.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة تمامًا في حياة النبي ﷺ؛ فبعد أن عاش أربعين عامًا معروفًا بين قومه بالصدق والأمانة، اصطفاه الله تعالى بالرسالة، وأصبح مكلفًا بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وترك الشرك والظلم، وإقامة مجتمع يقوم على العدل والرحمة والأخلاق.
وهكذا لم تكن نشأة النبي ﷺ مجرد مراحل متتابعة من الطفولة والشباب، وإنما كانت إعدادًا ربانيًا لنبي سيحمل رسالة عظيمة. فقد ذاق اليُتم في طفولته، وتعلم الصبر والمسؤولية، وعمل ورعى الغنم، ثم مارس التجارة وعُرف بالأمانة، وعاش حياة بعيدة عن الشرك، حتى جاءه الوحي في غار حراء وهو في الأربعين من عمره. ومن تلك اللحظة بدأ طريق النبوة والرسالة، وبدأت معه مرحلة تاريخية غيّرت وجه العالم، وكانت رحمة وهداية للناس أجمعين.