إعداد: آيات مصطفى
ليس كل من يكتب الغموض يسكنه الظلام، وليس كل من يطرق أبواب الرعب يبتعد عن الإنسان.
فبعض الكُتّاب يدخلون هذه العوالم لا هربًا من الواقع، بل اقترابًا منه، محاولين تفكيكه وإعادة تركيبه في سردٍ مشوّق يضع القارئ وجهًا لوجه أمام نفسه.
وداخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث تعود الحكايات إلى بيتها الأول، التقينا بالكاتب الشاب محمد كمال واحد من هؤلاء؛ كاتب قصصي اختار أن يمشي على الحافة بين الواقع والخيال، بين الرعب والبعد الإنساني، بين الظل والنور.
واجرينا معه الحوار التالي، لنقترب أكثر من عالمه، نسمع صوته، ونتلمّس ملامح تجربته الأدبية والإنسانية، ليجيب على كل تساؤلاتنا بكل صراحة دون أي غموض، ليكشف لنا عن الجانب المضيء من رواياته التي تتسم دومًا بالغموض.
في البداية، نود أن نمنح الجمهور فرصة للتعرّف عليك عن قرب… من هو محمد كمال الكاتب القصصي؟ وكيف تحب أن تقدّم نفسك للقرّاء الذين يلتقون بك للمرة الأولى؟
أنا حاصل على بكالوريوس تجارة دفعة 2017، وأعمل حاليًا محاسبًا بشركة الجندي للصناعات المتطورة. إلى جانب ذلك، أنا لاعب وبطل كيك بوكسينج، والكتابة تمثل جزءًا أصيلًا من تكويني وشغفي بالحياة.ماذا تمثّل لك المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، خاصة مع صدور عملك الجديد «الكائن»؟
معرض القاهرة الدولي للكتاب هو بيتي الحقيقي، ومن الجميل دائمًا أن يعود الإنسان إلى بيته. في هذا المكان أكوّن صداقات جديدة، وألتقي بمحبي القراءة القادمين من كل مكان، وهو ما يمنحني شعورًا خاصًا لا يتكرر.دعنا نعرف ما هي أعمالك السابقة؟ وكيف تتأكد أن عملك منسق ومرتب؟
أعمالي السابقة هي:1- قصص مدفونة
2- العائدون (من سلسلة غموض)
3- القربان (من سلسلة غموض)
أما عن التنسيق والترتيب، فأحرص على مراجعة العمل أكثر من مرة، وإعادة صياغة الأحداث بعدة طرق، حتى أصل إلى أفضل شكل ممكن يرضيني ويليق بالقارئ.
كتبت بعض القصص فيها مغامرات فهل الكتابة بالنسبة لك مغامرة؟
بالتأكيد، فالحياة نفسها قائمة على المغامرة، وكما قال أبو البقاء الرندي:«يفوز باللذات كل مغامر».
كيف ترى تفاعل القرّاء مع أعمال الغموض والرعب داخل أروقة المعرض مقارنة بالسنوات السابقة؟
أرى إقبالًا هائلًا من فئة الشباب، وهذا الإقبال يزداد عامًا بعد عام، وهو أمر يسعدني ويؤكد أن هذا اللون الأدبي يجد صداه الحقيقي.هل شعرت بأن «الكائن» يحظى باهتمام مختلف عن الأجزاء السابقة من سلسلة «غموض»؟ ولماذا؟
على العكس تمامًا، فقراء الأجزاء السابقة كانوا في حالة انتظار وترقّب لصدور «الكائن»، وهو ما جعل التفاعل معه امتدادًا طبيعيًا لتعلّقهم بالسلسلة.إلى أي مدى يسهم المعرض في تقريبك من القارئ وفهم ردود فعله المباشرة تجاه أعمالك؟
إلى أبعد مدى ممكن، حيث ألتقي بالقرّاء مباشرة، ويطرحون عليّ أسئلتهم حول محتوى الكتاب، وأشاركهم ببعض الاقتباسات والحوارات حول القصص.«الكائن» هو الجزء الثالث من سلسلة «غموض»… كيف تطوّر هذا العالم السردي منذ «العائدون» وحتى الآن؟
تطوّر العالم السردي ليحاكي واقعنا المعاش، بحيث يستطيع القارئ أن يرى ما يحدث حوله في قالب مكتوب، ضمن إطار مشوّق ومثير، مع لمسة خفيفة من الفانتازيا.فكرة “الظل” حاضرة بقوة في العمل، هل ترمز لشيء نفسي أو إنساني أعمق من الرعب الظاهري؟
نعم، فهي ترمز إلى الجزء السيئ داخل نفوس البشر، ذلك الجانب الذي يحاول الكثيرون إخفاءه، لكنه يظل حاضرًا مهما حاولوا تجاهله.كيف توازن بين التشويق والرعب من جهة، والبعد الإنساني للشخصيات من جهة أخرى؟
أختلف تمامًا مع من يكتب الرعب دون موازنة مع الجانب النفسي، لأن هذا النوع من الكتابة يُهمَل مع الوقت. لذلك أحاول دائمًا تحقيق التوازن بين الرعب والبعد الإنساني، فجُلّ كتاباتي تحاكي الواقع وما يمر به القارئ في حياته اليومية أو يسمع عنه.هل يمكن قراءة «الكائن» كعمل مستقل، أم تفضّل أن يبدأ القارئ بالسلسلة من جزئها الأول؟
يمكن بالطبع قراءة الجزء بشكل مستقل، لكن القارئ قد يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا، بسبب امتداد بعض الشخصيات، لا الأحداث.بدأت الكتابة منذ سبع سنوات، كيف ترى تطوّر أسلوبك من «قصص مدفونة» إلى «الكائن»؟
هناك تطور واضح من حيث الفكرة والحبكة الدرامية، ومحاولة أعمق لمحاكاة الواقع بما يتناسب مع ما نمر به الآن.هل تشعر أنك وجدت صوتك الأدبي الخاص، أم ما زلت في رحلة بحث وتجريب؟
بالتأكيد وجدت نفسي في الأدب البوليسي وأدب الرعب، وشعرت أنني تميزت فيهما بشكل واضح.إلى أي مدى تأثّرت كتاباتك بخبراتك الحياتية، سواء في العمل أو الرياضة؟
تأثرت بشكل كبير، فقد تعرّفت على أشخاص جدد، واستمتعت بسماع تجاربهم، ومنها تولد أفكار جديدة أضيفها إلى كتاباتي.من هو الكاتب أو الأديب الذي تعتبره مصدر إلهام لك في مسيرتك الأدبية؟
هناك الكثيرون، مثل: د. نبيل فاروق، أحمد مراد، د. حسين السيد، حسن الجندي، عمرو الجندي، د. شيرين هنائي، أحمد يونس، وأعتذر لكل الكتّاب العظام الذين لم أذكر أسماءهم.بما أنك من جيل الشباب فهل لي أن أسألك عن فريقك الرياضي المفضل؟ وهل لديك موهبة أو هواية أخرى؟
أنا من عشاق النادي الأهلي منذ الصغر، تربيت على حبه وورثت عشقه عن والدي رحمه الله. أما عن الهوايات، فأمارس رياضة الكيك بوكسينج منذ ثلاث سنوات، وحققت خلالها عدة بطولات، وأسعى مستقبلًا إلى ممارسة رياضة الـMMA.
كونك لاعب وبطل كيك بوكسينج، هل انعكس هذا الانضباط أو الصراع الجسدي على بناء الصراع داخل نصوصك؟
بالتأكيد، فقد ساعدني ذلك على التحكم بشكل أكبر في انفعالاتي أثناء تطور الشخصيات داخل النص.إهداء «الكائن» يحمل مشاعر إنسانية عميقة، ما مدى تأثير العائلة والدعم القريب في استمرارك بالكتابة؟
دعم زوجتي والعائلة والأصدقاء له تأثير كبير جدًا، وهو الدافع الأساسي الذي يدفعني دائمًا إلى الأمام.كيف تنظر إلى الكتابة: هل هي شغف، هروب، أم مواجهة مع الذات؟
الكتابة بالنسبة لي مزيج من الثلاثة، مشاعر متداخلة، لكن حين أرى تعلّق القرّاء بكل عمل جديد، أشعر بالفرح والانتصار وتحقيق الذات.ما اللحظة التي شعرت فيها أن الكتابة لم تعد مجرد هواية، بل مسارًا حقيقيًا في حياتك؟
في بداية الربع الأخير من عام 2023.لمن تكتب؟ وهل تضع القارئ في ذهنك أثناء الكتابة أم تترك النص يقودك؟
أكتب لكل من يحب القراءة، وأعمالي مناسبة لمختلف الأعمار. أثناء الكتابة أترك النص يقودني، لكن في مرحلة المراجعة النهائية أضع نفسي مكان القارئ.ما الرسالة أو الشعور الذي تتمنى أن يخرج به القارئ بعد الانتهاء من «الكائن»؟
رسالتي هي:«الطريق الصحيح واضح للجميع، ولا يجب أن نحيد عنه، لأن الطريق الآخر نهايته لن تعجبك بالتأكيد».
هل هناك جزء رابع قادم من سلسلة «غموض»؟ أم تفكّر في خوض تجربة أدبية مختلفة؟
أحب أن أطمئن جمهوري وكل من تعلّق بسلسلة «غموض»؛ انتظروا الجزء الرابع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2027.كيف ترى مستقبل الأدب البوليسي وأدب الغموض والرعب في مصر والعالم العربي؟
أرى أن انتشاره أمر إيجابي، لأنه يمنح عشاق الإثارة متعة يجدونها عادة في الأفلام والمسلسلات، وهذا بدوره يساهم في زيادة عدد القرّاء.نراك مرتديًا الوشاح الفلسطيني في بعض الصور، فكيف تنظر إلى القضية الفلسطينية ككاتب ومواطن عربي؟
فلسطين كانت وما زالت وستظل عربية إلى أمد الدهر. دعمي لها نابع من كوني إنسانًا قبل أن أكون عربيًا، فالحرية حق، وما يحدث هناك من دمار وانتهاكات لا يمكن السكوت عنه.الحرية لأهل فلسطين… تحيا فلسطين.
أخيرًا، ما الذي تحب أن تقوله لزوار معرض القاهرة الدولي للكتاب الذين لم يكتشفوا أعمالك بعد؟
ربما لست الأفضل، لكنني واثق أنك ستندم إن لم تكتشف عالمي القصصي، لأنك ستفوت على نفسك الكثير من المتعة والمغامرة.حين ينتهي الحوار، لا نشعر أننا أغلقنا صفحات أسئلة وأجوبة، بل كأننا غادرنا جلسة إنسانية صادقة مع شخص يعرف جيدًا لماذا يكتب، ولمن يكتب.
محمد كمال كاتب شاب لا يتعامل مع الغموض كحيلة فنية، بل كمساحة للاعتراف، ولا يرى الرعب سوى انعكاس لخوفٍ بشري نحمله جميعًا في صمت.
بين المحاسبة والرياضة والكتابة، تتشكل تجربته بهدوء، مدفوعة بدعم العائلة وصدق القارئ وانتظار الحكاية القادمة.
وربما هنا تكمن قيمة هذا الحوار؛ أنه لا يقدّم كاتبًا يبحث عن الضوء، بل إنسانًا يكتب لأن الكتابة كانت طريقه ليبقى قريبًا من نفسه… وقريبًا من الآخرين.
ويظل محمد كمال صوتًا يسير بثبات، يكتب من قلب التجربة، ويؤمن أن الرعب ليس نقيض الإنسانية، بل مرآتها الخفية.
هذا اللقاء يكشف لنا كاتبًا لا يختبئ خلف الظل، بل يستخدمه ليضيء ما نخشى النظر إليه.
ومع كل عمل جديد، يبدو أن الرحلة ما زالت في بدايتها، وأن القادم يحمل مزيدًا من الأسئلة… ومزيدًا من الدهشة.
















