كتبت: نغم عايش
تتسارع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بالتوازي مع هدم منازل ومنشآت فلسطينية وتجريف أراضٍ ومصادرة مساحات جديدة، في مسار تقول جهات فلسطينية وإسرائيلية إنه يتجاوز التوسع الاستيطاني إلى إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وممتلكاتهم في مناطق متفرقة، بينها بلدة شقبا غرب رام الله وقرية مادما جنوب نابلس، حيث أفادت مصادر فلسطينية بتجريف أراضٍ وتحويل مبانٍ إلى مواقع عسكرية.
وتشير معطيات حركة "السلام الآن" الإسرائيلية إلى سلسلة من القرارات التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية خلال أكثر من ثلاثة أعوام، وأسهمت في تسريع إقامة المستوطنات وشرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع البناء فيها.
قرارات متتالية لتوسيع الاستيطان..
بدأ المسار الحالي -وفق التقرير- في فبراير/شباط 2023، عندما قررت الحكومة الإسرائيلية إنشاء 9 مستوطنات من خلال تسوية أوضاع 10 بؤر استيطانية.
وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، أُدخل تعديل على آلية التخطيط الاستيطاني، ألغى الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع الإسرائيلي في كل مرحلة من مراحل إقرار المخططات، وهو ما فتح المجال أمام تسريع الإجراءات المرتبطة بالبناء.
وفي يوليو/تموز 2024، قررت الحكومة تحويل 5 بؤر استيطانية إلى مستوطنات، قبل أن يبدأ مجلس التخطيط الأعلى في نوفمبر/تشرين الثاني عقد اجتماعات أسبوعية بهدف تسريع المصادقة على مخططات البناء.
ومع مارس/آذار 2025، أُقر تحويل 13 حيا استيطانيا إلى مستوطنات مستقلة، تلاه في مايو/أيار الإعلان عن إنشاء 22 مستوطنة جديدة.
وفي أغسطس/آب من العام ذاته، أقرت الحكومة نهائيا مخططات لبناء نحو 3400 وحدة استيطانية في منطقة "إي 1" الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، قبل طرح مناقصة البناء في ديسمبر/كانون الأول، كما أقرت إنشاء 19 مستوطنة جديدة.
ولم يتوقف المسار عند ذلك، إذ أقرت الحكومة الإسرائيلية في مارس/آذار 2026 إنشاء 34 مستوطنة إضافية.
وتعكس هذه القرارات، بحسب مراقبين، انتقال الاستيطان من سياسة تقوم على التوسع التدريجي إلى إجراءات حكومية أكثر تنظيما، تشمل التخطيط والبناء والطرق والبنية التحتية وإعادة ترتيب الصلاحيات الإدارية.
"ثورة استيطانية" تتجاوز البناء..
ويرى الخبير في شؤون الاستيطان ساهر خليلية أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل مشروعا متكاملا وليس مجرد زيادة في عدد الوحدات السكنية.
وقال إن الحكومة الإسرائيلية الحالية جاءت تحت شعار ما سمته "ثورة استيطانية"، وإنها عملت منذ وصولها إلى السلطة على تعديل القوانين والأنظمة بما يسمح بتوسيع البناء الاستيطاني وتسوية أوضاع البؤر المقامة على أراض فلسطينية.
وبحسب خليلية، ارتفع عدد البؤر الاستيطانية إلى أكثر من 360 بؤرة، فيما تسيطر المستوطنات والبؤر مجتمعة على أكثر من مليون و100 ألف دونم، أي ما يزيد على 22% من مساحة الضفة الغربية.
ويضيف أن الحكومة الإسرائيلية منحت صلاحيات أوسع لمجلس المستوطنات، الأمر الذي أتاح -وفق تقديراته- إقرار نحو 112 ألف وحدة استيطانية خلال ثلاثة أعوام، بينها أكثر من 78 ألف وحدة في الضفة الغربية ونحو 34 ألفا في القدس المحتلة.
ولا يرى خليلية أن البناء الاستيطاني يمكن فصله عن شبكة الطرق التي يجري توسيعها لربط المستوطنات ببعضها، في مقابل تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية.
السيطرة على "ج" وتغيير الخريطة..
وتتركز مساحة واسعة من المشروع في المناطق المصنفة "ج" بموجب اتفاق أوسلو، والتي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الأمنية والإدارية.
ويقول خليلية إن مجلس المستوطنات بات يتحكم -بحسب تقديراته- بنحو 80% من هذه المناطق، في وقت تتوسع فيه الطرق الالتفافية والمستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية.
ولا يقتصر الأمر، وفقا له، على إقامة وحدات سكنية جديدة، وإنما يشمل إنشاء منظومة متكاملة من الطرق والخدمات والبنية التحتية التي تجعل المستوطنات أكثر اتصالا ببعضها، بينما تصبح التجمعات الفلسطينية أكثر عزلة.
ويحذر خليلية من أن هذه الإجراءات تمهد لإنشاء ما وصفه بـ"كيان حكم ذاتي مستقل للمستوطنين في الضفة الغربية"، يتمتع بصلاحيات واسعة في التخطيط والتوسع والإدارة والاقتصاد.
ويقول إن هذا المشروع يترافق أيضا مع تعزيز القدرات المسلحة للمستوطنين، الذين يشاركون بصورة متزايدة في الاعتداءات على الفلسطينيين، وقطع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي، وهدم المنشآت الزراعية والرعوية.
المستوطنون في مقدمة المشهد..
ويأتي تصاعد دور المستوطنين في وقت تتزايد فيه الاعتداءات على الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ويقول الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، في تصريحات سابقة للجزيرة، إن الحكومة الإسرائيلية الحالية تسعى إلى تنفيذ مشروع يقوم على الضم والتهويد، مستفيدة من الظروف السياسية الراهنة.
ويرى البرغوثي أن استخدام مجموعات المستوطنين والمنظمات الاستيطانية يأتي ضمن سياسة تهدف إلى إرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، بما يسهّل السيطرة عليها لاحقا.
وبذلك، لا تبدو البؤر الاستيطانية المعزولة مجرد تجمعات سكانية متناثرة، بل أجزاء من شبكة آخذة في الاتساع، تربطها الطرق والبنية التحتية والحماية العسكرية، في حين يجري التضييق على الوجود الفلسطيني في المناطق المحيطة بها.
سباق مع الزمن قبل أي تغيير سياسي..
ويولي وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دورا محوريا في المشروع الاستيطاني، وقد وصف في تصريحات سابقة ما يجري في الضفة بأنه "ثورة".
وقال سموتريتش إن الهدف يتمثل في تحقيق تواصل جغرافي بين المستوطنات الإسرائيلية، مقابل تقطيع الامتداد الجغرافي الفلسطيني إلى مناطق منفصلة.
كما أشار إلى أن الحكومة تسابق الزمن لتقنين أوضاع أكبر عدد ممكن من البؤر والمزارع الاستيطانية قبل أي انتخابات مقبلة، بما يمنحها وضعا قانونيا يجعل إخلاءها أكثر صعوبة أمام أي حكومة إسرائيلية مستقبلية قد تتبنى سياسة مختلفة.
وهنا تبرز أهمية عامل الزمن؛ فكلما توسعت المستوطنات وشُيدت الطرق والوحدات السكنية وأُدخلت البؤر في منظومة التخطيط الرسمية، أصبح تغيير الواقع القائم على الأرض أكثر تعقيدا.
ما الذي يعنيه ذلك لحل الدولتين؟
وفي قراءة أوسع للمشهد، اعتبرت صحيفة "هآرتس" أن ما يجري في الضفة الغربية يتجاوز مسألة التوسع الاستيطاني التقليدي، ويمثل مشروعا منظما لإعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة.
وتلتقي هذه القراءة مع تحذيرات سابقة لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن الاستيطان والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية يهددان إمكانية إقامة دولة فلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وبينما تواصل إسرائيل الدفع بمخططات البناء وشرعنة البؤر وتوسيع شبكة الطرق، يواجه الفلسطينيون عمليات هدم وتجريف ومصادرة وتضييقا على البناء والوصول إلى الأراضي.
وبذلك، تتبلور معادلة جغرافية جديدة في الضفة: مستوطنات تتصل ببعضها عبر شبكة متنامية من الطرق والبنية التحتية، وتجمعات فلسطينية تتقلص مساحاتها وتتزايد القيود المفروضة عليها.
وفي ظل هذا الواقع، لا يعود السؤال متعلقا بعدد المستوطنات التي ستقام أو الوحدات التي ستبنى فحسب، بل بما إذا كانت هذه الإجراءات تصنع واقعا ميدانيا يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا أمرا أكثر صعوبة، وربما يدفع حل الدولتين إلى مزيد من التآكل على الأرض.
